السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نستعرض اليوم موقفاً أدبياً وتربوياً فذاً للعلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي (رحمه الله)، يجسد فيه بدايات طلبه للعلم ببلاد شنقيط، وشغفه بالمسائل والمعارف حتى فضّلها في شبابه على متع الدنيا والزواج.
قَدِمَ الشنقيطي على بعض المشايخ ليقرأ عليه، ولم يكن الشيخ يعرفه من قبل، فسأل عنه في ملأ من تلامذته: من تكون؟ فقال الإمام ارتجالاً:
هَذَا فَتًى مِنْ بَنِي جَاكَانَ قَدْ نَزَلَا ... بِهِ الصِّبَا عَنْ لِسَانِ العُرْبِ قَدْ عَدَلَا
رَمَتْ بِهِ هِمَّةٌ عَلْيَاءُ نَحْوَكُمُ ... إِذْ شَامَ بَرْقَ عُلُومٍ نُورُهُ اشْتَعَلَا
فَجَاءَ يَرْجُو رَكَامًا مِنْ سَحَائِبِهِ ... تَكْسُو لِسَانَ الفَتَى أَزْهَارَهُ حُلَلَا
إِذْ ضَاقَ ذَرْعًا بِأَنْ لَا يَسْتَبِينَ ... شَكْلَ العَيْنِ مِنْ «فَعَلَا» وَالنَّحْلِ وَالْأَلِفَا
وَقَدْ أَتَى اليَوْمَ صَبًّا مُولَعًا كَلِفًا ... بِـ«الحَمْدِ لِلَّهِ» لَا أَبْغِي لَهُ بَدَلَا
(وكان يريد بذلك طلب دراسة منظومة «لامية الأفعال» لابن مالك وقواعد التصريف).
فائدة توثيقية:
وقد أحكم الشيخ الشنقيطي لغة العرب إلى حد أن أحد تلامذته قال: "إذا سألت الشيخ عن شيء في اللغة فقال لك: لا أدري، فلا تبحث عنها في المعاجم، لأنني جَرَّبْتُ". وهذا يذكرنا بقول يحيى بن آدم: "كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أَيِسْتُ منه".
ومضى رحِمَهُ الله في طلب العلم قُدُماً، وألزمه بعض مشايخه بـ «القِران» (أي أن يقرن بين فنّين في وقت واحد) لسرعة تحصيله، فانصرف بهمة عالية في درس وتحصيل.
ويروي الإمام الشنقيطي في كتابه «رحلة الحج» صورة بديعة لتفرغه الكامل للعلم في شبابه، وإيثاره المعرفة على الزواج حتى آيست منه الفتيات وتزوجن الأغنياء، فلما لامه أصحابه قال أبياته الخالدة:
دَعَانِيَ النَّاصِحُونَ إِلَى النِّكَاِح ... غَدَاةَ تَزَوَّجَتْ بِيضُ المَلَاحِ
فَقَالُوا لِي: تَزَوَّجْ ذَاتَ دَلٍّ ... خَلُوبَ اللَّحْظِ جَائِلَةَ الوِشَاحِ
ضَحُوكًا عَنْ مُؤَشَّرَةٍ رَبَاحِ ... تَمُجُّ الرَّاحَ بِالمَاءِ القَرَاحِ
كَأَنَّ لِحَاظَهَا رَشَقَاتُ نَبْلٍ ... تُذِيقُ القَلْبَ آلَامَ الجِرَاحِ
وَلَا عَجَبٌ إِذَا كَانَتْ لِحَاظٌ ... لِبَيْضَاءِ الحَوَاجِبِ كَالرِّمَاحِ
فَكَمْ قَتَلَتْ كَمِيًّا ذَا صِلَاحٍ ... بِأَسْبَابِ ضَعِيفَاتِ الجُفُونِ
فَقُلْتُ لَهُمْ: دَعُونِي إِنَّ قَلْبِي ... مِنَ الغَيِّ الصُّرَاحِ اليَوْمَ صَاحِ
وَلِي شُغْلٌ بِأَبْكَارٍ عَذَارَى ... كَأَنَّ وُجُوهَهَا غُرَرُ الصَّبَاحِ
أَرَاهَا فِي المَهَارِقِ أَوْ جَنَاحِ ... أَبِيتُ مُفَكِّرًا فِيهَا فَتَضْحَى
خَافِضَةَ الجَنَاحِ لِذِي الفَهْمِ ... أَبَحْتُ حَرِيمَهَا جَبْرًا عَلَيْهَا
وَمَا كَانَ الحَرِيمُ بِمُسْتَبَاحِ
| الكلمة | المعنى المباشر |
| شَامَ بَرْقَ عُلُومٍ | لمح نور العلم ورغب فيه فجاء يطلبه. |
| ضَاقَ ذَرْعًا | تعب وضاق صدره من عدم الفهم والتمييز. |
| أَيِسْتُ مِنْهُ | قطعت الأمل في وجوده بعد البحث. |
| القِرَان بَيْن الفَنَّيْنِ | دراسة علمين/مادتين مع بعض في نفس الوقت للسرعة والإنجاز. |
| ذَاتَ دَلٍّ | امرأة ذات حسن ودلال. |
| أَبْكَارٍ عَذَارَى | (استعارة) المسائل العلمية الصعبة والجديدة التي لم يُسبق إليها. |
| المَهَارِقِ | الكتب والأوراق والمخطوطات المكتوبة. |
| أَبَحْتُ حَرِيمَهَا | فهمت المسائل المغلقة وفككت تعقيدها بالكامل. |