السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تاريخنا الإملائي والعلمي مليء بالمواقف الفذة التي تجمع بين علو همة الطالب ورحمة وحرص المعلم. وهذه قصة الإمام المجاهد أسد بن الفرات (رحمه الله) — قاضي القيروان، وتلميذ الإمام مالك، ومدوّن مذهبه، وفاتح جزيرة صقلية (المتوفى شهيداً سنة 213 هـ).
خرج أسد بن الفرات من القيروان إلى الشرق سنة 172 هـ، فسمع «الموطأ» من الإمام مالك بالمدينة، ثم رحل إلى العراق لتلقي الفقه عن أصحاب الإمام أبي حنيفة، وكان أكثر ملازمته للإمام محمد بن الحسن الشيباني.
ولما رأى كثرة الزحام حول الإمام وضيق حاله، قال له:
«إني غريب قليل النفقة، والسماع منك نَزْرٌ، والطلبة عندك كثير.. فما حيلتي؟!»
أظهر الإمام محمد بن الحسن الشيباني حساً تربوياً وعطاءً لا نظير له، فقال له:
"اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلتُ لك الليل وحدك! فتبيتُ عندي وأُسمِعُك".
يقول أسد بن الفرات يصف تلك الليالي الخالدة:
"فكنتُ أبيتُ عنده وينزل إليّ، ويجعل بين يديه قدحاً فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعستُ، ملأ يده ونَفَحَ (رشّ) وجهي بالماء فأنتبه! فكان ذلك دأبه ودأبي حتى أتيتُ على ما أريد من السماع عليه".
لم يقتصر الإمام محمد بن الحسن على منح وقت ليله وتدريسه، بل تعهده بالنفقة والمال؛ فحين علم بنفاد نفقته ورآه يوماً يشرب من ماء السبيل في الطريق، أعطاه ثمانين ديناراً! ولما أراد الانصراف من العراق أمده بنفقة كاملة أعانته على رحلته.
| الكلمة | المعنى المباشر |
| نَزْر | قليل جداً ويسير. |
| دَأْبُه ودَأْبِي | عادته وعادتي ومستمرون عليه. |
| نَفَحَ وَجْهِي | رشّ ونضح وجهي بالماء لإزالة النعاس. |
| مَاءُ السَّبِيل | الماء الموقوف والمتاح للشرب عامة الناس في الطرقات. |