السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نقف اليوم مع واحدة من أعجب القصص وأكثرها إلهاماً في تاريخ طلب العلم، وهي قصة الإمام بَقِيّ بن مَخْلَدٍ الأندلسي (رحمه الله) الذي رحل ماشياً على قدميه من الأندلس إلى بغداد ليلتقي بإمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
وصل بَقيٌّ إلى بغداد إبان المحنة، فوجد الإمام أحمد ممنوعاً من التحديث والاجتماع بالناس. وبعد أن سأل عنه الإمام يحيى بن معين وشهد له بالإمامة، قصد دار الإمام أحمد حزيناً، واحتال حيلة ذكية؛ إذ قال للإمام:
"أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ مَجْهُولُ العَيْنِ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ (المَسَاكِين)، فَأَقُولَ عِنْدَ بَابِ الدَّارِ مَا يَقُولُونَ، فَتَخْرُجَ لِي وَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي إِلاّ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَة".
فوافق الإمام أحمد بشرط ألا يظهر في حلقة ولا عند أصحاب الحديث.
كان بقيٌّ يلف رأسه بخرقة، ويضع أدوات الكتابة في كُمّه، ويقف بباب الإمام أحمد يصيح: «الأَجْرَ رَحِمَكُمُ الله!»، فيخرج إليه الإمام ويحدثه الحديث والحديثين والثلاثة، واستمر على ذلك حتى فرّج الله المحنة.
فلما ظهر الإمام أحمد وعادت مجالس العلم، كان يَعرف لبقيٍّ حق صبره، فإذا أتاه وسّع له وأدناني وقال لأصحابه: «هَذَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ طَالِبِ العِلْمِ».
مرض بقيٌّ بن مخلد ففقده الإمام أحمد، فلما علم بمرضه خرج يعوده في الفندق الذي يستأجره، وارتج المكان بقدوم الإمام ومعه أصحابه بأقلامهم، فجلس عند رأسه وقال له:
"أَبْشِرْ بِثَوَابِ اللهِ، أَيَّامُ الصِّحَّةِ لا سَقَمَ فِيهَا، وَأَيَّامُ السَّقَمِ لا صِحَّةَ فِيهَا، أَعْلاكَ اللهُ إِلَى العَافِيَةِ، وَمَسَحَ عَنْكَ بِيَمِينِهِ الشَّافِيَة".
فكتب أصحاب الحديث ألفاظه، وطاب أهل الفندق بتمريض بقيٍّ واكتنفت الرعاية حله وترحاله بسبب زيارة الإمام الصالح له.
| الكلمة | المعنى المباشر |
| زِيِّ السُّؤَّال | لباس المتسولين أو المحتاجين الذين يطلبون الصدقة. |
| كَاغَدِي | أوراقي التي أكتب عليها. |
| ارْتَجَّ الفُنْدُق | اهتز وتحرك واضطرب من كثرة الزحام والحركة. |
| أَشْفَيْتُ مِنْهَا | أشرفت منها على الملاك والهلاك من شدة المرض. |
| لِبْدِي | بساط أو فراش صوف ثخين يُفرش للجلوس عليه. |