الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 18 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

متن الحديث
عن زِرِّ بنِ حُبيشٍ قال:
أتيتُ صفوانَ بنَ عسّالٍ رضي الله عنه أسألُه عن المسحِ على الخفَّين، فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاءُ العلم. فقال: إنَّ الملائكةَ تضعُ أجنحتَها لطالبِ العلم رضًا بما يطلب.
فقلتُ: إنَّه قد حكَّ في صدري المسحُ على الخفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأً من أصحاب النبي ﷺ، فجئتُ أسألك: هل سمعتَه يذكرُ في ذلك شيئًا؟
قال: نعم، كان يأمرُنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزعَ خفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.
فقلتُ: هل سمعتَه يذكرُ في الهوى شيئًا؟
قال: نعم، كنا مع رسولِ الله ﷺ في سفر، فبينما نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوتٍ جهوري: يا محمد، فأجابه رسول الله ﷺ نحوا من صوته: «هاؤم».
فقلتُ له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي ﷺ وقد نُهيت عن هذا.
فقال الأعرابي: المرء يحب القوم ولمّا يلحق بهم؟
فقال النبي ﷺ: «المرءُ مع من أحبَّ يوم القيامة».
ثم ذكر بابًا من المغرب، مسيرة عرضه أربعين – أو سبعين – عامًا، خُلِق يوم خُلِقت السماوات والأرض، مفتوحًا للتوبة لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه.
رواه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح.
ترجمة الراوي 
صفوان بن عسال المرادي اليماني رضي الله عنه، صحابي جليل من أصحاب رسول الله ﷺ، أسلم قديمًا، وشهد مع النبي ﷺ مشاهد، وسكن الكوفة بعد الفتح.
كان من أهل الفقه والعلم، ولذلك كان مقصدًا للتابعين في مسائل الأحكام، كما يظهر في سؤال زر بن حبيش له عن المسح على الخفين، وهو باب لا يُؤخذ إلا عن أهل الضبط والمعرفة.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «له صحبة ورواية، وكان فاضلًا عالمًا».
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «صحابي جليل، له حديث حسن».
واتفق أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول، وأن عدالتهم ثابتة بالنقل والإجماع، فلا يُبحث عن جرحهم، وإنما يُبحث عن الاقتداء بهم، وانما ذكرنا عدالتهم ليعرف الجاهل أن الصحابة عدول
تخريج الحديث وذكر الإسناد مع الحكم على رجاله
أخرجه الترمذي في سننه، وأخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهم.
الإسناد المشهور:
قتيبة بن سعيد
عن سفيان بن عيينة
عن عاصم بن أبي النجود
عن زر بن حبيش
عن صفوان بن عسال رضي الله عنه
الحكم على رجال الإسناد (بأكثر من قول لكل راوٍ)
1- قتيبة بن سعيد الثقفي
قال يحيى بن معين: «ثقة».
قال أبو حاتم الرازي: «صدوق ثقة».
قال ابن حجر: «ثقة ثبت».
الخلاصة: إمام ثقة محتج به.
2- سفيان بن عيينة الهلالي
قال الشافعي: «ما رأيت أحدًا أعلم بالحديث من سفيان».
قال أحمد بن حنبل: «سفيان بن عيينة إمام».
قال ابن حجر: «ثقة حافظ حجة».
الخلاصة: إمام من أئمة الإسلام، حديثه حجة.
3- عاصم بن أبي النجود
قال أحمد بن حنبل: «صالح الحديث».
قال يحيى بن معين: «ثقة».
قال ابن حجر: «صدوق له أوهام».
الخلاصة: صدوق محتج به في الشواهد والمتابعات، وحديثه حسن.
4- زر بن حبيش الأسدي
قال العجلي: «ثقة من كبار التابعين».
قال ابن سعد: «كان ثقة كثير الحديث».
قال ابن حجر: «ثقة مخضرم».
الخلاصة: ثقة متفق عليه.
5- صفوان بن عسال
صحابي جليل.
قال ابن عبد البر: «له صحبة وعدالة».
قال الذهبي: «صحابي، لا يُسأل عن عدالته».
الخلاصة: عدل بإجماع أهل السنة.
حكم الحديث: حديث حسن صحيح كما قال الترمذي، وصححه غيره بمجموع طرقه.
معاني الكلمات الغريبة
حكّ في صدري: وقع في نفسي تردد.
الهوى: المحبة القلبية.
هاؤم: كلمة إجابة، أي هلمّ.
باب من المغرب: باب عظيم للتوبة من جهة الغرب.
الشرح الطويل المفصل للحديث::
هذا الحديث أصل جامع في أبواب متعددة؛ بدأ ببيان منزلة العلم، ثم انتقل إلى رخصة فقهية عظيمة، ثم إلى الأدب مع النبي ﷺ، ثم إلى أثر المحبة في الآخرة، ثم ختم ببيان سعة رحمة الله وباب التوبة.
وفيه دلالة على أن الشريعة تبني الإنسان علمًا وعملًا وسلوكًا وقلبًا، وأن التوبة مفتوحة ما دام الإنسان في زمن الاختيار.
سبب ورود الحديث::
ورد جوابًا عن أسئلة متتابعة من زر بن حبيش، مما يدل على أن الصحابة كانوا يربون التابعين بالعلم المتدرج، فيجمعون لهم الأحكام والآداب والعقائد في مجلس واحد.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث
*الفرع الأول. فضل طلب العلم الشرعي
قال الإمام النووي: «فيه بيان عظيم فضل العلم، وأنه من أفضل القرب».
** الشرح :
وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم يدل على رضا الله عنه، وعلى أن العلم عبادة، لا مجرد تحصيل ذهني. وهذا يوجب الإخلاص، ويُسقط كل علم لم يُرَد به وجه الله.
*الفرع الثاني. مشروعية المسح على الخفين في السفر
قال الإمام أحمد: «المسح على الخفين ثابت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة».
** الشرح :
المسح رخصة ثابتة بالسنة المتواترة، وهو دليل على رفع الحرج، خاصة في السفر، ويُشترط له الطهارة عند اللبس، وتحديد المدة.
*الفرع الثالث. التفريق بين الحدث الأصغر والأكبر
قال ابن قدامة: «لا خلاف أن الجنابة لا يجزئ فيها المسح».
** الشرح :
هذا يدل على أن الرخصة لا تُلغِي الأصول، فالحدث الأكبر له حكم مستقل، وفي ذلك تحقيق للطهارة الكاملة.
*الفرع الرابع. وجوب تعظيم النبي ﷺ وخفض الصوت عنده
قال القاضي عياض: «تعظيم النبي ﷺ من الإيمان، وتركه ضلال».
** الشرح :
إنكار الصحابي على الأعرابي رفع صوته دليل على أن الأدب مع النبي ﷺ واجب، ويشمل حياته وبعد وفاته عند ذكره وسنته.
*الفرع الخامس. فضل المحبة الصادقة
قال ابن تيمية: «المحبة توجب المشابهة والمتابعة».
** الشرح :
قول النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» يدل على أن المحبة الصادقة تُلحق العبد بالصالحين، لكنها لا تنفك عن الاتباع.
*الفرع السادس. سعة باب التوبة وخطر التسويف
قال ابن رجب: «فتح باب التوبة أعظم أبواب الرجاء».
** الشرح :
بقاء باب التوبة مفتوحًا دليل على رحمة الله، لكنه سيُغلق بعلامة كبرى، وفي ذلك تحذير شديد من تأخير الرجوع إلى الله.
الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث
العلم أساس الهداية
التيسير من مقاصد الشريعة
الأدب مع النبي ﷺ من الإيمان
المحبة الصادقة سبب النجاة
التوبة نعمة عظيمة لا تدوم إلى الأبد.

الكتاب: رياض الصالحين

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)

المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]

---



   
اقتباس
شارك: