الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( ٥٦ )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٥٦ :

:: متن الحديث ::

عن أبي خالدٍ حكيمِ بنِ حِزامٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم:

«الْبَيِّعَانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».

متفقٌ عليه.

:: ترجمة الراوي ::

هو أبو خالد حكيم بن حِزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى القرشي الأسدي، أحد أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، وابن عمّ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وُلد قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة، فعاش في الجاهلية ستين سنة، ثم عاش في الإسلام ستين سنة أخرى، وكان من عقلاء قريش وحكمائهم، عُرف بالحِلْم والوقار وحسن التدبير، وكان من القلة الذين حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، وأسلم يوم فتح مكة فحسن إسلامه، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين، وكان شديد الحرص على معرفة الحلال والحرام، كثير السؤال للنبي صلى الله عليه وسلم عن دقائق المعاملات، وله مواقف مشهورة في الورع والزهد، وكان يتصدق بأموال عظيمة حتى قيل إنه تصدق بجميع ماله غير مرة، وقد أجمع أهل العلم على جلالة قدره وعلو منزلته وصحة روايته، وتوفي سنة أربع وخمسين للهجرة على الأرجح، وهو ممن طال عمره وحسن عمله رضي الله عنه.

:: التخريج ::

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب إذا بيّن البيع ولم يكتم ونصح، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البيوع، وهو حديث متفق عليه تلقته الأمة بالقبول، واعتمده الأئمة في تقرير خيار المجلس وبيان أثر الصدق والكذب في المعاملات، واحتج به الفقهاء في أبواب البيوع والأخلاق المالية.

:: الإسناد ::

قال الإمام البخاري رحمه الله:

حدّثنا علي بن عبد الله، قال حدّثنا سفيان، قال حدّثنا عمرو، عن طاووس، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه.

:: تحقيق رجال الإسناد ::

١. علي بن عبد الله بن جعفر المديني

قال يحيى بن معين: ثقة ثقة

وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أعلم بالحديث منه

وقال النسائي: ثقة مأمون

وقال العجلي: إمام ثبت

وقال الذهبي: شيخ الإسلام وإمام العلل

٢. سفيان بن عيينة

قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز

وقال أحمد بن حنبل: أحفظ الناس للحديث

وقال ابن معين: ثقة ثبت

وقال النسائي: ثقة حافظ

وقال الذهبي: الحافظ الكبير

٣. عمرو بن دينار

قال ابن معين: ثقة

وقال أحمد: ثبت

وقال النسائي: ثقة

وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث

وقال العجلي: مكي تابعي ثقة

٤. طاووس بن كيسان

قال ابن معين: ثقة

وقال أحمد: من أوثق التابعين

وقال النسائي: ثقة

وقال ابن سعد: فقيه ثقة

وقال الذهبي: الإمام القدوة

٥. حكيم بن حزام **

صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول بإجماع أهل السنة.

:: الكلمات الغريبة ::

البيعان: المتبايعان

بالخيار: لهما حق الفسخ أو الإمضاء

ما لم يتفرقا: ما داما في مجلس العقد

مُحِقَت: أزيلت وذهبت بالكلية

:: الشرح المفصل للحديث ::

هذا الحديث أصل عظيم في باب المعاملات، جمع بين الحكم الفقهي والأدب الشرعي، فقرر خيار المجلس رحمة بالمتبايعين، وربط بين البركة والصدق، وبين المحق والكذب، وفيه بيان أن صحة العقد لا تلازم البركة فيه، بل قد يصح العقد ويُحرم صاحبه الخير بسبب فساد القصد أو الخلق، كما دل الحديث على أن الشريعة راعت مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، فحثت على الصدق والبيان، ونهت عن الغش والتدليس، وقررت أن المعاملات باب عظيم من أبواب التقوى.

:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

الفرع الأول: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين

هذا الحديث نصٌّ صريح في ثبوت خيار المجلس، وهو أن لكل من البائع والمشتري حق فسخ البيع أو إمضائه ما داما في مجلس العقد، وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم، ورأوا أن التفرق بالأبدان هو الحد الفاصل لانتهاء الخيار، والحكمة منه رفع الغبن ودفع الندم، وهو من محاسن الشريعة في رعاية مصالح المتعاملين.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: هذا الحديث ثابت لا أعلم فيه خلافًا، وهو دليل على أن الخيار ثابت ما لم يتفرقا بالأبدان.

الفرع الثاني: وجوب الصدق والبيان في البيع

يدل الحديث على أن الصدق والبيان واجبان ديانة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق البركة عليهما، والكتمان ينافي الأمانة، ويدخل في البيان إظهار العيوب وذكر ما يؤثر في الثمن أو الرغبة، وقد نص الفقهاء على أن ترك البيان من الغش المحرم.

قال ابن عبد البر رحمه الله: أجمع العلماء على أن كتمان العيب في البيع لا يحل، وأن البيان واجب.

الفرع الثالث: تحريم الغش والتدليس في المعاملات

الغش من كبائر الذنوب لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، وهذا الحديث أصل في تحريمه، إذ رتب عليه محق البركة، والمحق لا يكون إلا بسبب محرم، ويدخل فيه كل صورة من صور الخداع أو الإيهام.

قال النووي رحمه الله: هذا الحديث أصل عظيم في تحريم الغش في البيع وكل معاملة.

الفرع الرابع: أن البركة تتعلق بالأخلاق لا بصورة العقد

يبين الحديث أن البركة أمر معنوي، قد تزول مع صحة العقد ظاهرا، فالمال قد يكثر ولكن بلا نفع ولا سعادة، والصدق سبب لنماء الخير، والكذب سبب لذهابه، وفي هذا تربية على مراقبة الله لا الاكتفاء بالشكل.

قال ابن حجر رحمه الله: في الحديث دليل على أن المعاصي تمحق بركة الرزق وإن كثر.

الفرع الخامس: أن خيار المجلس ثابت شرعًا دون اشتراط

خيار المجلس لا يحتاج إلى شرط في العقد، لأنه حق جعله الشارع للمتبايعين، فلا يسقط إلا بإسقاطه صراحة أو بالتفرق، وهذا يبين أن بعض الحقوق مصدرها النص لا التراضي.

قال ابن قدامة رحمه الله: خيار المجلس ثابت بالسنة، ولا يتوقف على شرط.

الفرع السادس: أن الصدق سبب للطمأنينة وحسن العاقبة

الصدق في المعاملة يورث طمأنينة القلب، وثقة الناس، وسلامة العاقبة، بخلاف الكذب الذي يورث القلق وسوء السمعة، وهذا من مقاصد الشريعة في تزكية النفوس.

قال الغزالي رحمه الله: الصدق أصل المعاملات، ومنه تنشأ بركة المال وصلاح الحال.

الفرع السابع: أن الكذب سبب لمحق الخير وإن لم يظهر فورًا

محق البركة قد يكون خفيًا، وقد يظهر في ضيق الصدر أو سرعة ذهاب المال أو فساد النية، وهذا أشد من الخسارة الظاهرة، لأن صاحبه قد لا يشعر به إلا بعد فوات الأوان.

قال ابن تيمية رحمه الله: الذنوب تزيل النعم، وأعظم النعم بركة الرزق.

:: الدروس المستفادة ::

١. الصدق في البيع عبادة قلبية قبل أن يكون التزامًا فقهيًا، وهو سبب لنزول البركة واستقامة الحال في الدنيا والآخرة.

٢. الكذب والغش وإن حققا ربحًا عاجلًا فإن عاقبتهما الخسران، لأن الله لا يبارك في مال جُمع بمعصيته.

٣. خيار المجلس رحمة عظيمة من الشريعة، تدل على مراعاتها لضعف الإنسان وتقلب رأيه.

٤. البركة ليست بكثرة المال، بل بحِلّه ودوامه ونفعه لصاحبه ومن حوله.

٥. المعاملات المالية ميدان عظيم لاختبار التقوى، لأن دوافع النفس فيها قوية.

٦. مراقبة الله في البيع دليل صدق الإيمان، لأن المعاملة غالبًا تكون في الخفاء.

٧. الصدق سبب لحسن السمعة بين الناس، وحسن السمعة باب من أبواب الرزق.

٨. الشريعة جمعت بين ضبط المعاملات بالأحكام، وتهذيبها بالأخلاق، فكان التشريع كاملًا متوازنًا.

الكتاب: رياض الصالحين

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)

المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]

 

---



   
اقتباس
وسوم الموضوع
شارك: