:: متن الحديث ::
وعن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: دخلتُ على النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وهو يُوعَكُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنك تُوعَكُ وعكًا شديدًا.
قال: «أجل، إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ منكم».
قلتُ: ذلك أنَّ لك أجرين؟
قال: «أجل، ذلك كذلك، ما من مسلمٍ يُصيبه أذًى، شوكةٌ فما فوقها، إلا كفَّر اللهُ بها سيئاته، وحطَّ عنه ذنوبه كما تحطُّ الشجرةُ ورقَها».
متفقٌ عليه.
:: ترجمة الراوي ::
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن.
من أوائل من أسلم بمكة، وأسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها.
كان ملازمًا للنبي ﷺ، صاحب نعليه وسواكه، ومن أخصِّ الناس به.
أخذ عنه القرآن مباشرة، وكان من أعلم الصحابة بتفسيره وأحكامه.
قال النبي ﷺ: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد».
ولي بيت المال بالكوفة، وكان قاضيها ومعلمها.
توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين للهجرة بالمدينة، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، رحمه الله رحمةً واسعة.
:: تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض.
:: إسناد الحديث عند البخاري ::
١- مسدد بن مسرهد.
٢- يحيى بن سعيد القطان.
٣- سفيان الثوري.
٤- الأعمش سليمان بن مهران.
٥- إبراهيم النخعي.
٦- علقمة بن قيس.
٧- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
:: الحكم على رجال الإسناد ::
١- مسدد بن مسرهد.
قال يحيى بن معين: ثقة.
قال أحمد بن حنبل: صدوق حافظ.
قال أبو حاتم: ثقة متقن.
٢- يحيى بن سعيد القطان.
قال أحمد بن حنبل: إمام في الحديث.
قال ابن معين: ثقة ثبت.
قال علي بن المديني: حجة في الحديث.
٣- سفيان الثوري.
قال شعبة: أمير المؤمنين في الحديث.
قال أحمد بن حنبل: ثقة حافظ.
قال ابن معين: حجة.
٤- الأعمش سليمان بن مهران.
قال أحمد بن حنبل: ثبت.
قال ابن معين: ثقة.
قال أبو زرعة: حافظ.
٥- إبراهيم النخعي.
قال ابن سعد: ثقة فقيه.
قال العجلي: ثقة.
قال شعبة: فقيه أهل الكوفة.
٦- علقمة بن قيس.
قال ابن معين: ثقة.
قال العجلي: تابعي ثقة.
قال أحمد بن حنبل: من أوثق أصحاب ابن مسعود.
٧- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه **
صحابي جليل، والعدالة ثابتة للصحابة بإجماع أهل السنة.
:: معاني الكلمات الغريبة ::
يُوعَك: يُصاب بالمرض مع شدة الألم.
الوعك: شدة الحمى والمرض.
الأذى: كل ما يلحق الإنسان من ضرر حسّي أو معنوي.
:: سبب ورود الحديث ::
ورد الحديث عند عيادة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه للنبي ﷺ في مرضه، لما رأى شدة ما يجد من الألم، فتعجب من ذلك، فبيّن له النبي ﷺ أن شدة البلاء مقرونة بعظيم الأجر، ثم عمّم الحكم على جميع المسلمين.
:: الشرح المفصل للحديث ::
هذا الحديث أصل عظيم في باب الصبر على البلاء، وبيان سنّة الله في عباده المؤمنين.
فالنبي ﷺ، وهو أكمل الخلق منزلة عند الله، أصابه من المرض ما هو أشد مما يصيب غيره، ليكون ذلك رفعةً في الدرجات، وتعليمًا للأمة.
وفي قوله ﷺ: «كما يُوعَكُ رجلان منكم» بيان أن شدة البلاء ليست علامة نقص، بل قد تكون علامة كمال في المقام.
ثم لما سأل ابن مسعود عن مضاعفة الأجر، أقرّه النبي ﷺ، ووسّع القاعدة فجعل كل أذى يصيب المسلم سببًا لتكفير الذنوب، ولو كان يسيرًا كشكة الشوكة.
وشبّه سقوط الذنوب بسقوط أوراق الشجر، وهو تشبيه حسيّ يدل على الكثرة والاستيعاب، وأن التكفير يشمل الصغائر بل ويُرجى معه العفو عن الكبائر بالتوبة.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول. الأمراض والآلام مكفِّرة للذنوب.
قال النووي: هذا الحديث من أعظم أدلة تكفير الذنوب بالأمراض.
الشرح: جعل النبي ﷺ المرض سببًا مباشرًا لمحو السيئات، دون توقف على عمل زائد سوى الصبر.
الفرع الثاني. تفاوت الأجر بتفاوت شدة البلاء.
قال ابن حجر: فيه أن الأجر على قدر المشقة.
الشرح: كلما عظم الألم واشتد، عظم الثواب المترتب عليه.
الفرع الثالث. فضل الصبر والاحتساب عند المصيبة.
قال ابن تيمية: الصبر واجب عند المصائب، والرضا مستحب.
الشرح: التكفير الموعود به مشروط بالصبر الضمني، لأن الجزع ينافي كمال الأجر.
الفرع الرابع. شمول التكفير لأدق أنواع الأذى.
قال القرطبي: ذكر الشوكة تنبيه على ما فوقها.
الشرح: إذا كان هذا في اليسير، فالكثير أولى وأعظم.
الفرع الخامس. البلاء علامة محبة لا علامة سخط.
قال ابن القيم: البلاء قد يكون دواءً إلهيًا.
الشرح: شدة مرض النبي ﷺ دليل قاطع على أن البلاء ليس دليل غضب.
:: الدروس المستفادة ::
• الصبر على المرض سبب لمغفرة الذنوب كلها.
• شدة البلاء ترفع الدرجات ولا تنقص الكرامة.
• كل ألم يصيب المؤمن له معنى وحكمة.
• المرض قد يكون نعمة خفية لا يدركها العبد.
• رحمة الله تشمل أدق الآلام وأصغر الأوجاع.
• حسن الظن بالله واجب عند الشدائد.
• البلاء يطهّر القلب كما يطهّر الجسد.
• الاقتداء بالنبي ﷺ في الصبر والثبات.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]