الحديث رقم ٤٦ :
:: متن الحديث ::
٤٩ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:
«مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ».
رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».
:: ترجمة الراوي ::
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صحابي جليل من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم رواية للحديث النبوي، أسلم متأخرًا في السنة السابعة للهجرة، لكنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة شديدة، فوعى عنه العلم وحفظ السنة، واشتهر بقوة الحفظ وسرعة الاستيعاب، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ينسى، فكان كما دعا له، روى عنه جمع كبير من الصحابة والتابعين، وكان شديد الحرص على نشر العلم وتعليمه، ولم يُعرف عنه كتمان أو تقصير، وقد أجمع أهل العلم على توثيقه والاحتجاج بروايته، وكان مثالًا في الصبر والزهد، وتوفي رضي الله عنه سنة سبع وخمسين للهجرة.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام الترمذي في جامعه في كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، وقال عنه: حديث حسن صحيح، وقد حسنه وصححه غير واحد من أهل العلم، وله شواهد تقوّيه من أحاديث أخرى تدل على أن البلاء يكفّر الذنوب ويرفع الدرجات، وهو حديث مقبول محتج به عند أهل السنة.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند الترمذي:
حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ
قال حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراوَرْدِيُّ
عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالِحٍ
عن أبيه أبي صالح السَّمَّان
عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإسناده حسن صحيح، رجاله معروفون بالرواية والضبط، وقد صححه الترمذي كما نصّ عليه.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. قتيبة بن سعيد *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة ثبت
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: الإمام الحافظ
٢. عبد العزيز بن محمد الدراوردي *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ليس به بأس
قال ابن حجر: صدوق
قال الذهبي: من الثقات
٣. سهيل بن أبي صالح *
قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ليس به بأس
قال ابن حجر: صدوق تغيّر قليلًا
قال الذهبي: صدوق
٤. أبو صالح السمان *
قال ابن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: الإمام الثقة
٥. أبو هريرة رضي الله عنه **
قال النووي: مجمع على عدالته
قال ابن حجر: حافظ الصحابة
قال الذهبي: رأس في الحفظ
قال ابن عبد البر: أوثق الناس في الحديث
قال ابن الأثير: إمام في الرواية
:: معاني الكلمات الغريبة ::
ما يزال أي يستمر ويدوم
البلاء أي الاختبار والمحنة
في نفسه أي في بدنه أو صحته
يلقى الله أي يموت
خطيئة أي ذنب
:: الشرح المفصل للحديث ::
يبين هذا الحديث أصلًا عظيمًا من أصول العقيدة والتزكية، وهو أن البلاء سنة ماضية في حق المؤمن، لا تنقطع عنه ما دام في الدنيا، وأن هذا البلاء ليس علامة غضب، بل علامة تطهير ورحمة.
فالحديث يدل على أن المؤمن يُبتلى في نفسه بالأمراض والأسقام، ويُبتلى في ولده بالمصائب والهموم، ويُبتلى في ماله بالخسارة والنقص، وكل ذلك لحكمة عظيمة، وهي تكفير الذنوب.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ما يزال البلاء يدل على الاستمرار، أي أن الابتلاء يتكرر ويتنوع، وليس بلاءً واحدًا ينقضي.
وفي الحديث تسلية عظيمة للمؤمن، إذ يبيّن أن هذه المصائب ليست عبثًا، بل هي طريق للقاء الله بلا ذنوب.
كما يدل الحديث على أن المؤمن إذا صبر واحتسب، خرج من الدنيا وقد نُقّي من خطاياه، كأن البلاء نار تُذهب خبث الذهب.
وفيه رد على من يظن أن كثرة البلاء دليل شقاء، بل هو في حق المؤمن خير محض.
كما يدل على سعة رحمة الله بعباده المؤمنين، حيث يجعل آلام الدنيا سببًا للنجاة في الآخرة.
ويُفهم من الحديث أن أعظم الخسارة أن يمر البلاء دون صبر أو احتساب.
وفيه حث صريح على الرضا بقضاء الله، وعدم التسخط عند المصائب.
كما أن الحديث يربط بين العقيدة والسلوك، فيحوّل الألم إلى عبادة.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. أن البلاء سنة ماضية للمؤمن *
قال ابن حجر: الابتلاء طريق الأنبياء والصالحين.
الشرح: يدل الحديث على أن البلاء ليس استثناءً في حياة المؤمن، بل هو سنة جارية، ومن ظن السلامة الدائمة فقد أخطأ فهم السنن.
٢. أن البلاء يكفّر الذنوب *
قال النووي: المصائب كفارات بإجماع أهل السنة.
الشرح: يقرر الحديث أن كل ما يصيب المؤمن من ألم أو هم يكون سببًا لمحو الذنوب إذا صبر واحتسب.
٣. فضل الصبر على المصائب *
قال ابن القيم: الصبر نصف الإيمان.
الشرح: لا يتحقق أثر البلاء في التكفير إلا بالصبر، وإلا انقلب البلاء إلى وزر.
أن تنوع البلاء رحمة *
قال القرطبي: تنوع الابتلاء أدعى للتطهير.
الشرح: إصابة النفس والولد والمال تدل على شمول التطهير لجميع جوانب حياة المؤمن.
٥. أن لقاء الله بلا ذنوب غاية عظيمة *
قال ابن رجب: سلامة الصحيفة أعظم نعيم.
الشرح: يبين الحديث أن نهاية البلاء شرف عظيم، وهو لقاء الله تعالى بلا خطيئة.
٦. أن الدنيا دار امتحان لا جزاء *
قال الشاطبي: موطن الجزاء هو الآخرة.
الشرح: استمرار البلاء يؤكد أن الدنيا ليست موضع راحة دائمة، بل ممر للآخرة.
:: الدروس المستفادة ::
١. البلاء علامة رحمة للمؤمن.
٢. المصائب سبب لتكفير الذنوب.
٣. الصبر يحوّل الألم إلى أجر.
٤. تنوع الابتلاء دليل عناية.
٥. لقاء الله بلا خطيئة غاية المؤمن.
٦. الدنيا دار امتحان لا استقرار.
٧. حسن الظن بالله عند البلاء عبادة عظيمة.
الحديث رقم : ٤٧
:: متن الحديث ::
٥٠ - وعن ابْنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - رضي الله عنه - وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ - رضي الله عنه - وَمُشاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأذَنَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِيَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، فَوَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
رواه البخاري.
:: ترجمة الراوي ::
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد أكابر الصحابة علمًا وفقهًا وتفسيرًا، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل»، فكان حبر الأمة وترجمان القرآن، لازم كبار الصحابة وأخذ عنهم العلم، وكان شديد الحرص على الفهم والدقة، فجمع بين الحفظ والفهم، وروى عنه خلق كثير من التابعين، واتفق أهل العلم على إمامته في التفسير والفقه، وكان مثالًا في الحلم وسعة الصدر، وتوفي سنة ثمان وستين للهجرة.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، وهو حديث صحيح متفق على صحته، لاعتماد البخاري عليه وإخراجه له في صحيحه، وهو من الأحاديث التي تجمع بين الفقه والأدب والسياسة الشرعية.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند البخاري:
حدّثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ
قال حدّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ القَطَّان
عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ
عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إسناد عالٍ صحيح، رجاله أئمة ثقات.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. مسدد بن مسرهد *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة ثبت
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: الإمام الحافظ
٢. يحيى بن سعيد القطان *
قال أحمد بن حنبل: إمام
قال ابن معين: ثقة ثقة
قال النسائي: إمام في الحديث
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: شيخ الجرح والتعديل
٣. سفيان الثوري *
قال شعبة: أمير المؤمنين في الحديث
قال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت
قال ابن معين: ثقة
قال ابن حجر: إمام حافظ
قال الذهبي: الحافظ الزاهد
٤. أبو إسحاق السبيعي *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: صدوق
قال الذهبي: الإمام
٥. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما **
قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن
قال مجاهد: أعلم الناس بالتفسير
قال ابن حجر: حبر الأمة
قال الذهبي: الإمام البحر
قال النووي: مجمع على إمامته
:: معاني الكلمات الغريبة ::
القراء أي العلماء الحفّاظ
كهولًا أي كبار السن
هي كلمة تقال للزجر
الجزل أي العطاء الكثير
وقافًا أي شديد الوقوف والامتثال
:: الشرح المفصل للحديث ::
يصور الحديث موقفًا عظيمًا من مواقف السياسة الشرعية والحلم وضبط النفس، حيث يظهر فيه عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهيبته، ومع ذلك قابليته للرجوع إلى الحق فور سماعه.
فقد دخل عيينة بن حصن بغلظة وجفاء، واتهم عمر بالظلم ومنع العطاء، وهو كلام عظيم في حق أمير المؤمنين.
فغضب عمر رضي الله عنه، والغضب هنا طبيعي لمساسه بالعدل والحق، لكنه لم يُنفذ غضبه.
فذكّره الحر بن قيس بآية من كتاب الله، فوقف عمر عندها مباشرة.
وفي قوله: وكان وقافًا عند كتاب الله، دليل على كمال إيمانه، إذ جعل النص الشرعي فوق هيبته وسلطانه.
كما يدل الحديث على أن العالم قد يكون شابًا، وأن الميزان هو العلم لا السن.
وفيه أن الحلم لا ينافي القوة، بل هو من كمالها.
ويبين الحديث أن القرآن هو المرجع الأعلى في الحكم والتصرف.
وفيه فضل الأمر بالمعروف ولو عند السلطان.
وفيه أن ضبط النفس عند الغضب خلق عظيم.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب الحلم عند الغضب *
قال ابن حجر: الحلم زينة السلطان.
الشرح: يظهر من موقف عمر أن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في القدرة على كبح الغضب والرجوع إلى الحق.
٢. أن القرآن حاكم على الجميع *
قال الشاطبي: النص مقدم على كل اعتبار.
الشرح: عمر رضي الله عنه لم يتجاوز الآية حين سمعها، مما يدل على وجوب الاحتكام للقرآن في كل حال.
٣. جواز تذكير الحاكم إذا أخطأ *
قال النووي: النصيحة للحاكم من الدين.
الشرح: قيام الحر بن قيس بتذكير عمر دليل على مشروعية النصيحة مع الأدب.
٤. أن الجهل سبب سوء الأدب *
قال ابن تيمية: الجهل أصل كل شر.
الشرح: وصف عيينة بالجاهل يبين أن الجهل يدفع صاحبه للغلظة والتجاوز.
٥. فضل العلماء في مجالس الحكم *
قال ابن القيم: بالعلم يُهتدى في الفتن.
الشرح: تقديم القراء في مجلس عمر يدل على أن صلاح الحكم بالعلم.
٦. أن ضبط النفس عبادة *
قال الغزالي: كظم الغيظ من أشرف الأخلاق.
الشرح: ترك عمر تنفيذ غضبه مع قدرته دليل على عظمة هذا الخلق.
:: الدروس المستفادة ::
١. فضل الحلم وكظم الغيظ.
٢. وجوب الاحتكام للقرآن.
٣. العلم مقدم على الجاه.
٤. النصيحة واجبة بضوابطها.
٥. الجهل سبب الفتن.
٦. ضبط النفس علامة كمال الإيمان.
٧. العدل لا ينافي الهيبة.
الحديث رقم ٤٨ :
:: متن الحديث ::
٥١ - وعن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:
«إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا!»
قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟
قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
:: ترجمة الراوي ::
عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي رضي الله عنه، من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر الهجرتين، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة حتى كان صاحب نعله وسواكه ووساده، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وكان من أعلم الصحابة بالقرآن والفقه والحلال والحرام، شهد بدرًا وسائر المشاهد، وأجمع الصحابة والتابعون على علمه وفضله وورعه، وكان شديد الاتباع للسنة، قويًّا في الحق، زاهدًا في الدنيا، له منزلة عظيمة في القضاء والتعليم، وتوفي بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الفتن، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، وهو حديث صحيح متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، ويُعد من الأحاديث الأصول في باب الصبر على جور الولاة، وفقه التعامل مع الفتن العامة، وضبط النفس عند اختلال الموازين.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند البخاري:
حدّثنا عبد الله بن يوسف
قال حدّثنا مالك بن أنس
عن زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إسناد متصل صحيح، رجاله أئمة حفاظ احتج بهم الشيخان.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. عبد الله بن يوسف التُّنيسي *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة مأمون
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: الإمام الثقة
٢. مالك بن أنس *
قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم
قال أحمد بن حنبل: إمام
قال يحيى بن معين: ثقة
قال ابن حجر: إمام دار الهجرة
قال الذهبي: الحافظ الفقيه
٣. زيد بن أسلم *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال يحيى بن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة
قال الذهبي: الإمام
٤. عطاء بن يسار *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: من كبار التابعين
٥. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه **
قال عمر بن الخطاب: كنيف ملئ علمًا
قال علي بن أبي طالب: كنز من كنوز العلم
قال ابن حجر: الإمام الحبر
قال الذهبي: من أعلام الأمة
قال النووي: مجمع على فضله
:: معاني الكلمات الغريبة ::
أثرة أي استئثار بالحقوق والمنافع
تنكرونها أي تستقبحها النفوس ويُنكرها الشرع
الحق الذي عليكم أي ما كلفكم الله به من واجبات
الذي لكم أي حقوقكم التي عند الله سبحانه
:: الشرح المفصل للحديث ::
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إخبارًا صريحًا واضحًا عمّا سيقع بعد وفاته من تغيّر في أحوال الحكم والإدارة، وظهور الأثرة، وهي استئثار بعض الولاة بالحقوق والمنافع دون عامة الناس، وهذا الإخبار النبوي ليس مجرد سرد لأحداث مستقبلية، بل هو تهيئة تربوية للأمة لتستعد نفسيًا وشرعيًا لما سيقع، فلا تفاجأ به ولا تزيغ عند حدوثه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأمور تنكرونها» يدل على أن ما سيقع ليس مجرد خلاف اجتهادي، بل أشياء تُستنكر شرعًا وتستقبحها النفوس السليمة، وفي هذا اعتراف صريح بوقوع الظلم، دون تزيين له أو إنكار لكونه ظلمًا، مما يدل على واقعية الشريعة وعدم تجاهلها لفساد الواقع.
فلما سأل الصحابة رضي الله عنهم: «فماذا تأمرنا؟» كان سؤالهم سؤال فقهٍ وطلب هداية، لا سؤال تمرد أو تهور، فجاءهم الجواب النبوي جامعًا بين حفظ الدين وحفظ الجماعة، حيث لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصدام ولا بالفوضى، بل بمنهج متوازن قائم على أداء الواجبات وعدم تعليق الطاعة المشروعة على استيفاء الحقوق.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «تؤدون الحق الذي عليكم» أصل عظيم في باب الصبر والأناة، إذ يقرر أن الواجبات الشرعية لا تسقط بتقصير غيرك، وأن العبد محاسب على ما كُلّف به، لا على ما كُلّف به غيره، وفي هذا تربية على المسؤولية الفردية وعدم ربط الطاعة بعدل الناس.
وأما قوله: «وتسألون الله الذي لكم» ففيه تحويل لمسار القلوب من التعلق بالخلق إلى التعلق بالخالق، وإرشاد للمظلوم إلى أعظم باب لاسترداد الحقوق، وهو باب الدعاء واللجوء إلى الله، لأن الله سبحانه هو العدل المطلق الذي لا تضيع عنده الحقوق، وإن أُخّرت في الدنيا فإنها محفوظة في الآخرة.
ويجمع الحديث بين العمل الظاهر والصبر الباطن، فليس فيه دعوة إلى الاستسلام، ولا إلى الفوضى، بل إلى الثبات على الشرع، مع إدراك أن الظلم سنّة كونية قد تقع، لكن الشريعة وضعت لها علاجًا يمنع تضاعف الشر، ويحفظ الدين والنفوس والمجتمع.
وفي الحديث تأسيس لقاعدة عظيمة في زمن الفتن، وهي أن الاستقامة لا تتغير بتغير الأحوال، وأن صلاح الفرد قد يكون سببًا في تخفيف البلاء العام، وأن الصبر مع الاحتساب ليس ضعفًا، بل هو قوة إيمانية عالية، تحتاج إلى يقين وبصيرة.
كما يدل الحديث على أن العدل الكامل ليس شرطًا للعمل بالشرع، وأن انتظار الكمال قبل الطاعة يؤدي إلى ضياع الدين، ولذلك جاء التوجيه النبوي واقعيًا يراعي طبيعة البشر وتقلب الأحوال، ويضع للأمة منهج نجاة ثابتًا لا يتغير بتغير الحكّام.
وفي الحديث أيضًا رد على من يظن أن مقاومة الظلم لا تكون إلا بالمواجهة المباشرة، إذ يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم مقاومة في بعض الأحوال هي الثبات، وأداء الواجب، وحفظ الجماعة، وانتظار الفرج من الله، مع بقاء القلب حيًا رافضًا للظلم غير متواطئ معه.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب الصبر على جور الولاة *
قال النووي: الصبر أصل في الفتن.
الشرح: الصبر هنا ليس رضا بالظلم، بل التزام بالشرع، ودفع للشر الأكبر، وحفظ لمصالح الأمة العامة.
٢. تحريم مقابلة الظلم بظلم *
قال ابن تيمية: الشر لا يُدفع بشر مثله.
الشرح: الحديث يمنع معالجة الظلم بأساليب تزيد الفساد وتضاعف الأذى.
٣. أن الحقوق لا تسقط بتقصير غيرك *
قال ابن القيم: الواجب لا يسقط بتعدي غيرك.
الشرح: أداء الواجب مسؤولية شخصية لا تُعلّق بعدالة الآخرين.
٤. مشروعية الدعاء لاسترداد الحقوق *
قال الشاطبي: الدعاء ملجأ المظلوم.
الشرح: الدعاء اعتراف بعدل الله ويقين بأن الحقوق محفوظة عنده.
٥. فقه المآلات أصل في التصرف *
قال الغزالي: النظر في العواقب واجب شرعًا.
الشرح: توجيه النبي صلى الله عليه وسلم راعى ما يترتب على الأفعال من مفاسد أعظم.
٦. أن العدل الكامل مؤجل للآخرة *
قال ابن حجر: العدل المطلق عند الله يوم القيامة.
الشرح: هذا يورث الطمأنينة ويمنع اليأس عند وقوع الظلم.
:: الدروس المستفادة ::
١. الصبر أساس النجاة في زمن الفتن.
٢. الظلم لا يبرر ترك الواجب.
٣. الدعاء سلاح المظلوم.
٤. حفظ الجماعة مقصد شرعي.
٥. فقه العواقب مقدم على الاندفاع.
٦. التعلق بالله يورث الطمأنينة.
٧. الثبات على الحق زمن الانحراف.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---