الحديث رقم ٣٣ :
متن الحديث ::
وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلَّم يقول:
قال الله عز وجل:
«إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر، عوَّضتُه منهما الجنة»
يريد عينيه.
رواه البخاري.
ترجمة الراوي ::
أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، خادم رسول الله ﷺ، خدم النبي عشر سنين، ولازمه ملازمةً تامة، فكان شاهدًا على أقواله وأفعاله وأحواله.
كان من صغار الصحابة سنًّا، كبارهم علمًا، وأكثرهم رواية، روى عن النبي ﷺ أكثر من ألفي حديث.
قال الزهري: كان أنس من أوعية العلم.
وقال قتادة: ما رأيت أحدًا أفقه من أنس بن مالك.
وقال ابن حجر: صحابي مشهور، مكثر، حافظ.
واتفق أهل العلم على عدالته وإمامته.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره.
إسناد الحديث عند الإمام البخاري ***
قال الإمام البخاري رحمه الله:
حدثنا محمد بن المثنى،
قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان،
عن شعبة بن الحجاج،
عن قتادة بن دعامة السدوسي،
عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد ::
1. محمد بن المثنى العنزي *
قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة حافظ.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
2. يحيى بن سعيد القطان *
قال أحمد: هو إمام الناس في الحديث.
وقال ابن المديني: أعلم الناس بالرجال.
وقال ابن حجر: إمام حافظ ناقد.
3. شعبة بن الحجاج *
قال سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.
وقال أحمد: كان شعبة أمة وحده.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن.
4. قتادة بن دعامة السدوسي *
قال ابن معين: ثقة.
وقال أحمد: أحفظ أهل البصرة.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
5. أنس بن مالك **
قال ابن عبد البر: عدل بإجماع.
وقال الذهبي: من كبار الصحابة وحفاظهم.
الحديث صحيح الإسناد والمتن.
الشرح المفصل للحديث ::
يبين هذا الحديث عظيم فضل الله على عباده المؤمنين، حيث جعل أعظم المصائب الدنيوية سببًا لأعظم النعيم الأخروي.
وسمّى الله العينين حبيبتين؛ لأنهما من أعظم نعم الله على الإنسان، إذ بهما يرى طريقه، ويهتدي في معيشته، ويتلذذ بجمال الكون.
فإذا سلبهما الله من عبده المؤمن، كان ذلك امتحانًا شديدًا، لا يثبت فيه إلا من رزقه الله الصبر والرضا.
وقد علّق الله الجزاء على الصبر، فدل على أن الجزاء ليس لمجرد البلاء، بل للعبد الذي يستقبل البلاء بالإيمان والاحتساب.
وفي الحديث تقرير لعقيدة أهل السنة في أن البلاء قد يكون سببًا لرفع الدرجات، لا دليلًا على الغضب أو السخط.
الفروع الفقهية المستنبطة ::
الفرع الأول. فضل الصبر على ذهاب البصر
قال ابن حجر: في الحديث دليل على عظيم فضل الصبر على فقد العينين.
الشرح:
ذهاب البصر من أشق الابتلاءات؛ لما فيه من تعطيل كثير من مصالح العبد، ومع ذلك جعله الله سببًا مباشرًا للجنة، وهذا يدل على أن الصبر على هذا البلاء من أعلى مراتب الصبر.
الفرع الثاني. أن أعظم العوض يكون في الآخرة لا في الدنيا
قال ابن القيم: العوض على قدر المصيبة، وأعظمه ما كان أخرويًا.
الشرح:
لم يجعل الله عوض ذهاب العينين مالًا ولا صحةً ولا جاهًا، بل جعل العوض الجنة، ليبين أن نعيم الدنيا لا يساوي شيئًا أمام نعيم الآخرة.
الفرع الثالث. اشتراط الصبر لنيل الأجر
قال النووي: الجزاء الموعود مقيد بالصبر.
الشرح:
من فقد بصره وتسخط أو جزع لم يدخل في هذا الوعد، لأن الحديث علّق الجزاء بالصبر، والصبر هو حبس النفس عن الاعتراض على قضاء الله.
الفرع الرابع. إثبات صفة القول لله تعالى
قال أهل السنة: نثبت ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تمثيل.
الشرح:
في الحديث نسبة القول إلى الله تعالى، وهي صفة ثابتة له، تليق بجلاله، بلا تشبيه ولا تكييف.
الفرع الخامس. أن البلاء قد يكون علامة محبة واصطفاء
قال الحسن البصري: البلاء للمؤمن كرامة.
الشرح:
تسمية العينين بالحبيبتين، ثم أخذُهما، يدل على أن الله يبتلي أحب عباده بما يرفع درجاتهم، لا بما يهلكهم.
الفرع السادس. أن الصبر من أعظم أسباب دخول الجنة
قال ابن تيمية: الجنة لا تنال إلا بالصبر.
الشرح:
الحديث نصّ صريح في أن الصبر على البلاء سبب مستقل لدخول الجنة، ولو لم يكن للعبد من العمل إلا هذا الصبر.
الفرع السابع. أن نعم الله تُعرف عند فقدها
قال بعض السلف: النعمة إذا زالت عُرفت.
الشرح:
ذكر العينين في الحديث تذكير بعظيم نعمتهما، ودعوة لشكر الله عليهما قبل زوالهما.
الدروس التربوية المستفادة ::
• الصبر على فقد البصر من أعظم أبواب الجنة.
• أعظم التعويض يكون في الآخرة.
• الجزاء مرتبط بالصبر لا بمجرد البلاء.
• البلاء قد يكون دليل محبة
• نعم الله لا تُقدَّر حق قدرها إلا عند فقدها.
• الصبر عبادة قلبية عظيمة.
• رحمة الله أوسع من آلام البلاء.
الحديث رقم ٣٤ :
متن الحديث ::
وعن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قال: قال لي ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: ألا أُريكَ امرأةً من أهلِ الجنة؟
قلتُ: بلى.
قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتتِ النبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم فقالت: إني أُصرَعُ، وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ تعالى لي.
قال:
«إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ اللهَ تعالى أن يُعافيكِ».
فقالت: أصبرُ.
فقالت: إني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ أن لا أتكشَّفَ.
فدعا لها.
متفقٌ عليه.
ترجمة الرواة ::
عطاء بن أبي رباح
هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد المكي، مولى بني فهر. من كبار التابعين وأئمة العلم بمكة. نشأ في بيت علم وعبادة، وأخذ عن جماعة من الصحابة، وكان من أوسع الناس علمًا بالمناسك. جلس للإفتاء في الحرم المكي، وقصده العلماء وطلاب العلم من الآفاق. عُرف بالزهد وكثرة العبادة والخشية، وكان شديد التعظيم لله وللسنة.
عبد الله بن عباس
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ. وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين. لازم كبار الصحابة، وجمع علمًا غزيرًا في التفسير والفقه والحديث واللغة. كان مرجع الأمة في تفسير القرآن، واشتهر بحبر الأمة وترجمان القرآن.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من يُصرَع من الريح.
إسناد الحديث عند الإمام البخاري ***
قال الإمام البخاري رحمه الله:
حدثنا آدم بن أبي إياس،
قال: حدثنا شعبة بن الحجاج،
عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية،
عن عطاء بن أبي رباح،
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
حكم رجال الإسناد عند البخاري :
1. آدم بن أبي إياس *
قال يحيى بن معين: ثقة.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ.
2. شعبة بن الحجاج *
قال علي بن المديني: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن.
3. أبو بشر جعفر بن أبي وحشية *
قال يحيى بن معين: ثقة.
وقال ابن حجر: صدوق.
4. عطاء بن أبي رباح *
قال ابن حجر: ثقة فقيه فاضل.
5. عبد الله بن عباس **
صحابي جليل، عدل بإجماع أهل السنة.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك.
سبب ورود الحديث ::
ورد الحديث لبيان فضل الصبر على البلاء، ولتصحيح مفهوم الناس في أن المرض دليل على الهوان، فبيّن النبي ﷺ أن البلاء قد يكون علامة كرامة ورفعة، وأن الصبر عليه سبب لدخول الجنة. كما جاء الحديث ترغيبًا في تقديم سلامة الدين على راحة البدن، وتعليمًا للأمة حسن التعامل مع الابتلاء.
معاني الكلمات الغريبة ::
أُصرَعُ :
أي يُغلب على عقلها وتسقط بسبب مرض الصرع.
أتكشَّفُ :
ينكشف شيء من بدنها بغير قصد عند الصرع.
يُعافيكِ :
أي يرفع عنك المرض ويمنحك السلامة.
شرح الحديث ::
يبين الحديث عظيم منزلة الصبر، وأن الله قد يبتلي عبده ليكرمه لا ليهينه. فالمرأة ابتليت بمرض مؤلم ومحرج، ومع ذلك خيّرها النبي ﷺ بين الصبر مع الجنة أو الدعاء بالعافية، فاختارت ما عند الله. ثم لم يكن همّها زوال الألم، بل حفظ الستر، فدل ذلك على كمال فقهها وقوة إيمانها، فجمع الله لها بين الصبر والكرامة.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول :
جواز التداوي وطلب الدعاء
الشرح:
تخيير النبي ﷺ لها دليل على جواز طلب زوال المرض، وأن ذلك لا ينافي التوكل، وإن كان الصبر أفضل.
الفرع الثاني :
فضل الصبر على الأمراض المزمنة
الشرح:
الصرع مرض ملازم غالبًا، والصبر عليه مع الاحتساب يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات.
الفرع الثالث :
أن الصبر سبب لدخول الجنة
الشرح:
النبي ﷺ جعل الجنة جزاءً مباشرًا لصبرها، مما يدل على عظيم شأن الصبر عند الله.
الفرع الرابع :
تقديم سلامة الدين على سلامة الجسد
الشرح:
اختيار المرأة حفظ سترها يدل على أن المؤمن يقدّم أمر دينه على راحته الجسدية.
الفرع الخامس :
إثبات الكرامة لأهل الصبر
الشرح:
إخبار النبي ﷺ بأنها من أهل الجنة كرامة ظاهرة لها بسبب صبرها.
الفرع السادس :
جواز ذكر فضل الشخص إذا كان فيه مصلحة
الشرح:
إخبار ابن عباس لعطاء كان للتعليم والترغيب في الصبر، لا للفخر.
الدروس التربوية المستفادة ::
• الصبر على البلاء طريق إلى الجنة.
• المرض لا يدل على سخط الله.
• سلامة الدين مقدَّمة على سلامة الجسد.
• التداوي لا ينافي التوكل.
• الصبر عبادة عظيمة.
• البلاء سبب للرفعة.
• الله يكرم عباده الصابرين.
الكتاب : رياض الصالحين
المؤلف : أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق : شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---