الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديثان ( ٣٥ ، ٣٦ )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٣٥ :

متن الحديث ::

وعن أبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال:

كأني أنظرُ إلى رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم يحكي نبيًّا من الأنبياءِ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، ضربه قومُه فأدموه، وهو يمسحُ الدمَ عن وجهِه، يقولُ:

«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

متفقٌ عليه.

ترجمة الراوي ::

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :

هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن. من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. كان صاحب نعل رسول الله ﷺ وسواكه، ولازمه ملازمةً شديدة، فأخذ عنه القرآن والسنة مباشرة. عُرف بدقة الفهم وقوة الفقه، وكان من أعلم الصحابة بالقرآن وأحكامه، حتى قال النبي ﷺ: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد».

تخريج الحديث وذكر الإسناد ::

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾.

إسناد الحديث عند الإمام البخاري ****

قال الإمام البخاري رحمه الله:

حدثنا مسدد بن مسرهد،

قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان،

عن سفيان الثوري،

عن الأعمش سليمان بن مهران،

عن إبراهيم النخعي،

عن علقمة بن قيس،

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

حكم رجال الإسناد عند البخاري *

 1. مسدد بن مسرهد *

2. قال ابن حجر: ثقة حافظ

3. يحيى بن سعيد القطان*

قال أحمد: هو إمام الناس في الحديث.

وقال ابن حجر: ثقة حافظ.

4. سفيان الثوري*

قال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث.

وقال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه.

5. الأعمش سليمان بن مهران*

قال ابن حجر: ثقة حافظ.

6. إبراهيم النخعي*

قال ابن حجر: ثقة فقيه.

7. علقمة بن قيس*

قال ابن حجر: ثقة ثبت من كبار التابعين.

8. عبد الله بن مسعود **

صحابي جليل، عدل بإجماع أهل السنة.

وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد.

سبب ورود الحديث ::

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا الحديث عندما ذُكر أذى المشركين للنبي ﷺ، فشبّه حاله بحال الأنبياء قبله، ليبين أن طريق الدعوة محفوف بالأذى، وأن سنة الله جارية بابتلاء المرسلين وأتباعهم، وأن العاقبة للمتقين.

معاني الكلمات الغريبة ::

 * يحكي

أي يذكر ويقصّ.

* أدموه

أي سال دمه حتى ظهر.

* يمسح الدم

أي يزيل الدم عن وجهه بيده.

الشرح المفصل للحديث ::

يبين الحديث عظيم خُلُق الأنبياء في الحِلم والعفو، فمع شدة الأذى الجسدي والنفسي، لم يدعُ النبي المبتلى على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، معللًا ذلك بجهلهم. وهذا غاية ما يكون من كمال الرحمة والصبر، ودليل على صدق النبوة وحسن المقصد، إذ لا يقابل الإساءة إلا بالإحسان.

الفروع الفقهية

الفرع الأول

مشروعية العفو عند القدرة

الشرح

النبي المذكور قُدر عليه وأُوذي، ومع ذلك اختار العفو والدعاء، فدل على فضل العفو مع القدرة.

الفرع الثاني

أن الجهل سبب للعذر في الدعاء

الشرح

قوله: «فإنهم لا يعلمون» يدل على أن الجهل قد يكون سببًا للترفق والدعاء لا للانتقام.

الفرع الثالث

الاقتداء بالأنبياء في الصبر

الشرح

ذكر النبي ﷺ لهذا الموقف ليكون أسوة لأمته في الصبر على الأذى في سبيل الله.

الفرع الرابع

جواز الدعاء بالمغفرة للكفار الأحياء

الشرح

الدعاء هنا كان في حياتهم، رجاء هدايتهم، وهو جائز باتفاق أهل العلم.

الفرع الخامس

أن الدعوة إلى الله طريقها الابتلاء

الشرح

أذى الأنبياء دليل على أن البلاء سنة ماضية في أهل الحق.

الفرع السادس

فضل الحلم وكظم الغيظ

الشرح

ترك الانتقام مع القدرة من أعظم خصال الأخلاق التي يحبها الله.

الدروس التربوية المستفادة من الحديث ::

• الأنبياء أكثر الناس بلاء. 

• الصبر خلق الأنبياء. 

• العفو من شيم الكمل. 

• الجهل سبب للرفق لا للبطش. 

• الدعوة إلى الله تحتاج صبرًا. 

• الرحمة أصل من أصول الرسالة. 

• الإحسان يقابل به الإساءة.

الحديث رقم ٣٦ :

متن الحديث ::

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ وأبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهما عن النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم قال:

«ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةُ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه».

متفقٌ عليه.

ترجمة الرواة ::

أبو سعيد الخدري

هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، من بني خدرة من الخزرج. وُلد قبل الهجرة بنحو عشر سنين، وكان صغير السن حين وقعت بدر فلم يُؤذن له بالقتال، ثم شهد الخندق وما بعدها من المشاهد. لازم النبي ﷺ، وتفقه على يديه، وكان من فقهاء الصحابة وعلمائهم، واشتهر بالفتيا في المدينة بعد وفاة كبار الصحابة. روى عددًا كبيرًا من الأحاديث، واتفق أهل العلم على جلالته وفضله، وكان معروفًا بالزهد والورع، وتوفي سنة أربع وسبعين للهجرة تقريبًا.

أبو هريرة

هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، أسلم سنة سبع من الهجرة عام خيبر، ولازم النبي ﷺ ملازمةً تامة، حتى صار أكثر الصحابة رواية للحديث. كان فقيرًا من أهل الصفة، فتفرغ لحفظ العلم، ودعا له النبي ﷺ بالحفظ، فكان يقول: ما نسيتُ شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. تولى الإمارة بالبحرين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم رجع إلى المدينة، وبقي محدّثها الأكبر، وتوفي سنة سبعٍ وخمسين للهجرة.

تخريج الحديث وذكر الإسناد ::

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض.

إسناد الحديث عند الإمام البخاري ***

قال الإمام البخاري رحمه الله:

حدثنا عبد الله بن يوسف،

قال: أخبرنا مالك بن أنس،

عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان،

عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز،

عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وله شواهد صحيحة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

الحكم على رجال الإسناد :

1. عبد الله بن يوسف التنيسي *

قال ابن حجر: ثقة ثبت، وكان من أوثق أصحاب مالك.

2. مالك بن أنس *

إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة، قال الشافعي: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم.

3. أبو الزناد عبد الله بن ذكوان *

قال ابن حجر: ثقة فقيه، من علماء المدينة.

4. الأعرج عبد الرحمن بن هرمز *

قال ابن حجر: ثقة ثبت، من كبار التابعين.

5. أبو هريرة **

صحابي جليل، عدل بإجماع أهل السنة.

الشرح المفصل الحديث ::

يبين الحديث أن كل ما يصيب المسلم من أنواع الآلام والمصائب، سواء كانت جسدية أو نفسية، ظاهرة أو خفية، فإنها سبب لتكفير الذنوب ورفع الدرجات، إذا قابلها المؤمن بالصبر والاحتساب، وهذا من تمام رحمة الله بعباده المؤمنين.

الفروع الفقهية ::

الفرع الأول: أن جميع أنواع البلاء مكفّرة للذنوب

الشرح

عدّد النبي ﷺ أصنافًا متعددة من الألم ليشمل كل ما يمر بالإنسان من مشقة في بدنه أو نفسه.

قول احد العلماء

قال النووي: هذا الحديث أصلٌ عظيم في تكفير الخطايا بالمصائب، ويدخل فيه كل ألمٍ يصيب المسلم.

الفرع الثاني: أن اليسير من الألم له أجر عظيم

الشرح

ذكر الشوكة، وهي أدنى مراتب الألم، ليدل على أن رحمة الله تشمل أدق الأمور.

قول احد العلماء

قال ابن حجر: تخصيص الشوكة للمبالغة، أي فما فوقها من باب أولى.

الفرع الثالث: اختصاص هذا الفضل بالمؤمن

الشرح

قوله ﷺ: «ما يصيب المسلم» يدل على أن هذا التكفير خاص بأهل الإيمان.

قول احد لعلماء

قال القاضي عياض: إنما يكون التكفير للمؤمن لما معه من أصل الإيمان والرضا بقضاء الله.

الفرع الرابع: أن الهم والحزن معتبران شرعًا

الشرح

فرّق الحديث بين الهم والحزن، فدل على أن الآلام النفسية داخلة في الأجر كالأمراض البدنية.

قول احد العلماء

قال ابن القيم: الهموم والغموم أمراض القلوب، ولها من الأجر ما للأمراض الظاهرة إذا صبر العبد.

الفرع الخامس: أن الصبر شرط في حصول الأجر الكامل

الشرح

دلت النصوص الأخرى على أن هذا التكفير مقترن بالصبر وعدم السخط.

قول احد العلماء

قال ابن تيمية: المصيبة إن صبر عليها العبد كانت نعمة، وإن سخط كانت نقمة.

الفرع السادس: أن البلاء رحمة في حق المؤمن

الشرح

لما كان البلاء سببًا لمغفرة الذنوب، صار في حقيقته رحمة، وإن كرهته النفوس.

قول احد العلماء

قال الحسن البصري: لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس.

الفرع السابع: أن تكفير الذنوب يشمل الصغائر

الشرح

أجمع العلماء على أن هذه المكفرات ترفع الصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة.

قول احد العلماء

قال النووي: الصحيح الذي عليه أهل السنة أن هذه المكفرات تختص بالصغائر.

الفرع الثامن: تسلية أهل المصائب

الشرح

في الحديث تسلية عظيمة لكل مبتلى، ودعوة لاحتساب الأجر عند الله.

قول اخد العلماء

قال ابن رجب: من أعظم ما يخفف المصائب علم العبد بما أعد الله عليها من الأجر.

الدروس المستفادة ::

• كل ألم يصيب المؤمن له قيمة عند الله. 

• المصائب سبب لمغفرة الذنوب. 

• رحمة الله أوسع من آلام العباد. 

•  الصبر مفتاح الأجر. 

• البلاء لا يدل على غضب الله. 

• الإيمان يحوّل الألم إلى عبادة.

الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]

 

 

---



   
اقتباس
شارك: