الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين الحديثان ( ٣١ ، ٣٢ )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٣١ :
متن الحديث ::
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
قال الله تعالى:
«ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة».
رواه البخاري.
ترجمة الراوي ::
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، أسلم عام خيبر، ولازم النبي ﷺ ملازمةً تامّة، فكان أكثر الصحابة رواية للحديث. دعا له النبي ﷺ بالحفظ، فصار آية في ضبط السنة ونقلها.
كان من فقهاء الصحابة، ومن أحرصهم على العلم والعمل به.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
وقال الذهبي: الإمام الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ.
وقال ابن حجر: حافظ الصحابة، لا يُقدَّم عليه أحد في كثرة الرواية.
أجمع أهل السنة على عدالته وإمامته في الحديث.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله.
إسناد الحديث عند الإمام البخاري ***
قال الإمام البخاري رحمه الله:
حدثنا عبد الله بن محمد،
قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
عن عمرو بن دينار،
عن عطاء بن أبي رباح،
عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد
1- عبد الله بن محمد الجعفي (المسندي) *
قال يحيى بن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق حافظ.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
2- سفيان بن عيينة *
قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
وقال أحمد: ما رأيت أحدًا أحفظ من سفيان.
وقال ابن حجر: إمام حافظ حجة.
3- عمرو بن دينار *
قال ابن معين: ثقة.
وقال النسائي: ثقة ثبت.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
4- عطاء بن أبي رباح *
قال أحمد: ثقة ثبت.
وقال ابن المديني: حجة.
وقال ابن حجر: ثقة فقيه.
5- أبو هريرة **
قال ابن عبد البر: صحابي عدل بإجماع.
وقال الذهبي: حافظ الصحابة.
حكم الحديث: صحيح. 
معاني الكلمات الغريبة ::
صفيَّه: أحبَّ الناس إليه وأقربهم إلى قلبه.
احتسبه: صبر وطلب الأجر من الله.
جزاء: ثواب وعوض.
الشرح المفصل للحديث ::
هذا الحديث من أعظم أحاديث الرجاء، وفيه بيان كرم الله تعالى ولطفه بعباده المؤمنين عند أعظم المصائب، وهي فقد الأحبة.
فالله سبحانه يخبر أن العبد المؤمن إذا ابتلاه بأخذ أعزّ الناس عليه، ثم قابل هذه المصيبة بالاحتساب والرضا، فإن الله لا يرضى له جزاءً دون الجنة.
وفيه إشارة إلى أن الجزاء ليس على مجرد المصيبة، بل على موقف القلب منها، فكم من مصاب حُرم الأجر بالجزع، وكم من مصاب نال الجنة بالصبر.
كما يدل الحديث على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي، يأخذ ما يشاء، ويعوض على الصبر أعظم عوض.
سبب ورود الحديث ::
ورد هذا الحديث تثبيتا للمؤمنين، وتثبيتًا لقلوبهم عند المصائب، وردًّا على من يظن أن البلاء علامة سخط، فبيَّن النبي ﷺ أن أعظم البلاء قد يكون سببًا لأعظم الجزاء.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول. فضل الصبر على فقد الأحبة
قال ابن القيم: المصيبة إذا قوبلت بالصبر صارت نعمة.
الشرح:
فقد الحبيب من أشد المصائب، والحديث نصٌّ على أن الصابر المحتسب ينال الجنة، وهو أعلى الجزاء.
الفرع الثاني. اشتراط الاحتساب لنيل الأجر
قال النووي: الأجر مرتب على الصبر مع الاحتساب.
الشرح:
ليس كل صابر مأجورًا هذا الأجر العظيم، بل من صبر طالبًا الثواب، مستحضرًا وعد الله.
الفرع الثالث. إثبات صفة القول لله تعالى
قال أهل السنة: نثبت ما أثبته الله لنفسه بلا تحريف ولا تمثيل.
الشرح:
في الحديث نسبة القول إلى الله تعالى، وهو قول يليق بجلاله.
الفرع الرابع. أن الجنة أعظم عوض
قال ابن تيمية: الجنة عوض كل مصيبة.
الشرح:
دل الحديث على أن الله يعوِّض عبده عن الدنيا بالآخرة، ولا يقاس هذا العوض بشيء من متاع الدنيا.
الفرع الخامس. الابتلاء علامة محبة لا كرامة ولا هوان بذاته
قال ابن رجب: البلاء قد يكون رفعة.
الشرح:
قبض الصفي ليس دليل غضب، بل قد يكون طريقًا إلى الجنة.
الفرع السادس. تربية النفس على الرضا بقضاء الله
قال الحسن البصري: الصبر كنز من كنوز الجنة.
الشرح:
الحديث يرسخ معنى الرضا، وأن ما عند الله أعظم مما فُقد.
الدروس المستفادة ::
• فقد الأحبة من أعظم ميادين الصبر. 
• الاحتساب شرط لنيل الثواب الكامل. 
• الجنة أعظم عوض على المصائب. 
• البلاء قد يكون علامة كرامة. 
• الرضا بقضاء الله سبب لعلو المنزلة. 
• ما أخذه الله يعوض عنه بما هو خير.

الحديث رقم ٣٢ :

متن الحديث ::

وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلَّم عن الطاعون، فأخبرها:

«أنه كان عذابًا يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمةً للمؤمنين، فليس من عبدٍ يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد».

رواه البخاري.

ترجمة الراوي/ة ::

عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، أم المؤمنين، زوج النبي ﷺ، وأفقه نساء الأمة وأعلمهن بالسنة. نشأت في بيت النبوة، ولازمت رسول الله ﷺ، فوعت عنه العلم، وروت عنه عددًا عظيمًا من الأحاديث.

كانت مرجعًا للصحابة والتابعين في الفقه والحديث، واشتهرت بقوة الفهم ودقة الاستنباط.

قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لفضل علم عائشة.

وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بالفرائض ولا بالحلال والحرام ولا بالطب ولا بالشعر من عائشة.

وقال ابن حجر: فقيهة عالمة حافظة، لا يُختلف في عدالتها.

تخريج الحديث وذكر الإسناد ::

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون.

إسناد الحديث عند الإمام البخاري ***

قال الإمام البخاري رحمه الله:

حدثنا عبد الله بن يوسف،

قال: أخبرنا مالك بن أنس،

عن عبد الرحمن بن القاسم،

عن أبيه القاسم بن محمد،

عن عائشة رضي الله عنها.

الحكم على رجال الإسناد

1- عبد الله بن يوسف التنيسي *

قال يحيى بن معين: ثقة.

وقال أبو حاتم: صدوق.

وقال ابن حجر: ثقة ثبت.

2- مالك بن أنس *

قال الشافعي: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم.

وقال أحمد: مالك حجة الله على خلقه.

وقال ابن حجر: إمام دار الهجرة.

3- عبد الرحمن بن القاسم *

قال ابن معين: ثقة.

وقال النسائي: ثقة.

وقال ابن حجر: ثقة فقيه.

4- القاسم بن محمد بن أبي بكر *

قال ابن المديني: من أوثق الناس.

وقال أحمد: ثقة ثبت.

وقال ابن حجر: فقيه ثقة من كبار التابعين.

5- عائشة رضي الله عنها **

قال ابن عبد البر: عدل بالإجماع.

وقال الذهبي: أم المؤمنين، الفقيهة العالمة.

حكم الحديث: صحيح.

معاني الكلمات الغريبة ::

الطاعون: مرض وبائي عام قاتل.

عذابًا: عقوبة لمن شاء الله.

رحمة: سبب للأجر والثواب.

يمكث: يقيم ولا يفر.

محتسبًا: طالبًا الأجر من الله.

مثل أجر الشهيد: في الثواب لا في الأحكام الدنيوية.

الشرح المفصل للحديث ::

يبين هذا الحديث الجمع بين عدل الله ورحمته، فالله تعالى قد يجعل الشيء الواحد عذابًا على قوم ورحمةً على آخرين بحسب حال قلوبهم وإيمانهم.

فالطاعون في أصله بلاء، لكنه للمؤمن الصابر المحتسب يتحول إلى باب عظيم للأجر، حتى يبلغ أجر الشهيد.

وفي الحديث تقرير لعقيدة القضاء والقدر، وأن العبد إذا أيقن أن ما يصيبه مكتوب، سكن قلبه وزال عنه الجزع.

كما يدل على أن الصبر الحقيقي هو الصبر المقترن بالبقاء في موضع البلاء امتثالًا لأمر الله، لا الفرار منه، مع التسليم الكامل لحكمه.

وفيه بيان أن الشهادة ليست محصورة في القتل في المعركة، بل قد ينالها المؤمن بصبره واحتسابه في البلاء العام.

سبب ورود الحديث ::

ورد هذا الحديث جوابًا عن سؤال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين أرادت معرفة حقيقة الطاعون وحكمه، فبيَّن النبي ﷺ الحكمة الإلهية منه، ورفع الإشكال عن كونه عذابًا ورحمة في آنٍ واحد، وتسليةً للمؤمنين في أزمنة الأوبئة، وترسيخًا لمعاني الصبر واليقين.

الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

الفرع الأول. فضل الصبر على البلاء العام

قال ابن حجر: في الحديث فضل الصبر على الطاعون.

الشرح:

الطاعون بلاء عام، والصبر فيه أعظم أجرًا من الصبر على البلاء الخاص، لما فيه من شدة الخوف وكثرة الهلاك.

الفرع الثاني. اشتراط الإقامة وعدم الفرار

قال النووي: من شرط الأجر المكث في البلد.

الشرح:

الحديث نصٌّ في أن الفرار ينافي كمال التوكل، وأن البقاء امتثال لأمر الشرع.

الفرع الثالث. ثبوت أجر الشهيد لغير المقتول في القتال

قال ابن رجب: هذا من شهداء الآخرة.

الشرح:

الحديث أصل في تقسيم الشهادة، وأن أجر الشهيد قد يُنال بغير القتل في الجهاد.

الفرع الرابع. الإيمان بالقدر شرط في كمال الصبر

قال ابن تيمية: لا يتم الصبر إلا باليقين بالقدر.

الشرح:

علم العبد أن ما أصابه مكتوب يثمر الطمأنينة ويمنع الجزع.

الفرع الخامس. أن البلاء لا يدل على سخط الله

قال ابن القيم: البلاء قد يكون عين الكرامة.

الشرح:

تحويل الطاعون إلى رحمة دليل على أن البلاء قد يكون سبب رفعة.

الفرع السادس. جواز السؤال عن الحكم الشرعي للبلاء

قال الشاطبي: السؤال لفهم الشرع مطلوب.

الشرح:

سؤال عائشة رضي الله عنها دليل على مشروعية الاستفهام للتفقه.

الدروس المستفادة

• الطاعون قد يكون رحمة للمؤمن. 

• الصبر مع الاحتساب يرفع الدرجات. 

• الإيمان بالقدر أصل في الثبات. 

• أجر الشهيد قد يُنال بغير القتال.

• البلاء ليس دليل سخط. 

• العلم يزيل الشبهات عن القلوب.

الكتاب: رياض الصالحين

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)

المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]

 

---


تم تعديل هذا الموضوع مند 6 أشهر بواسطة الدارقطني

   
اقتباس
شارك: