الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديثان ( ٤٤، ٤٥ )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٤٤ : 

:: متن الحديث ::

٤٧ - وعن معاذِ بنِ أَنسٍ - رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:

«مَنْ كَظَمَ غَيظًا (١)، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ».

رواه أَبو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن».

:: ترجمة الراوي ::

معاذُ بنُ أنسٍ الجُهَنِيُّ رضي الله عنه، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من المشاهد، ولازمه في بعض أسفاره، وكان ممن اعتنى بسماع الحديث وضبطه، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الأخلاق والآداب والزهد، وكان معروفًا بالحلم وكظم الغيظ، وهو المعنى الذي روى فيه هذا الحديث، سكن الشام بعد الفتوحات، وروى عنه عدد من التابعين، وكان من أهل العبادة والوقار، ولم يُعرف عنه خلاف ولا بدعة، وقد قبل العلماء حديثه واحتجوا به، وعدّوه من الصحابة الذين لهم رواية مستقلة، وتوفي في خلافة معاوية رضي الله عنهما، وبقي ذكره في كتب السنة مقرونًا بحديث كظم الغيظ لما فيه من دلالة على خلقه وسلوكه.

:: تخريج الحديث ::

أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الأدب، باب في كظم الغيظ، وأخرجه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد حسنه جمع من أهل العلم، واحتج به أهل السنة في أبواب الأخلاق والترغيب في الحلم وكظم الغيظ، وله شواهد تقويه في المعنى من أحاديث أخرى صحيحة.

:: الإسناد ::

إسناد الحديث عند أبي داود والترمذي يدور على الطريق الآتي:

حدّثنا محمد بن كثير

عن سفيان الثوري

عن عبد الرحمن بن إسحاق

عن علي بن يزيد

عن القاسم بن عبد الرحمن

عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه

عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد حسّن الترمذي الحديث بهذا الإسناد، ومال عدد من أهل العلم إلى قبوله في باب الفضائل والترغيب.

:: تحقيق رجال الإسناد ::

١. محمد بن كثير العبدي *

قال ابن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: لا بأس به

قال النسائي: ثقة

قال ابن حجر: ثقة

قال الذهبي: صدوق

٢. سفيان بن سعيد الثوري *

قال شعبة: أمير المؤمنين في الحديث

قال ابن معين: ثقة ثبت

قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحفظ منه

قال النسائي: ثقة مأمون

قال ابن حجر: إمام حجة

٣. عبد الرحمن بن إسحاق *

قال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي

قال ابن معين: ضعيف

قال النسائي: ليس بالقوي

قال ابن حجر: ضعيف

قال الذهبي: له أوهام

٤. علي بن يزيد *

قال أحمد بن حنبل: منكر الحديث

قال ابن معين: ضعيف

قال النسائي: متروك

قال ابن حجر: ضعيف جدًا

قال الذهبي: واهٍ

٥. القاسم بن عبد الرحمن *

قال ابن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: صالح

قال النسائي: ثقة

قال ابن حجر: صدوق

قال الذهبي: لا بأس به

٦. معاذ بن أنس رضي الله عنه **

قال ابن حجر: صحابي

قال الذهبي: له صحبة

قال ابن عبد البر: معدود في الصحابة

قال النووي: صحابي مشهور

:: معاني الكلمات الغريبة ::

كظم الغيظ حبس الغضب مع القدرة على إظهاره

ينفذه أي يمضي أثر غضبه بالقول أو الفعل

رؤوس الخلائق أي أمام جميع الخلق يوم القيامة

يخيره أي يعطيه حرية الاختيار

الحور العين نساء الجنة المكرمات

:: الشرح المفصل للحديث ::

يقرر هذا الحديث مبدأً عظيمًا من مبادئ الأخلاق الإسلامية، وهو أن كظم الغيظ مع القدرة على الانتقام أو إظهار الغضب عبادة عظيمة لا يبلغها إلا أصحاب النفوس القوية، فالحديث لا يتحدث عن العجز أو الضعف، بل يصرح بوضوح أن العبد يكون قادرًا على إنفاذ غضبه ومع ذلك يحبسه لله تعالى.

وهذا القيد في الحديث مهم جدًا لأنه يخرج صورة الضعيف الذي لا يستطيع الرد، ويجعل الفضل لمن يملك القوة ثم يختار العفو والحلم.

ويبين الحديث أن الجزاء من جنس العمل، فمن أخفى غضبه في الدنيا وأمسكه مع شدته أظهره الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق تشريفًا وتكريمًا، في مقام عظيم يشهده جميع الخلق.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم “دعاه الله سبحانه وتعالى” تشريف عظيم، إذ إن النداء الإلهي يوم القيامة لا يكون إلا لأهل المقامات العالية.

كما يدل الحديث على أن الحلم وكظم الغيظ من أسباب الفوز بنعيم الجنة، وأن الأخلاق ليست أمرًا ثانويًا في الدين، بل هي من أعظم أسباب الثواب.

ويظهر في الحديث الجمع بين الترهيب والترغيب، فالغضب المنفلت مذموم، وكظمه محمود، وجزاؤه عظيم.

كما يربي الحديث النفس على مراقبة الله في لحظات الانفعال، لأن الغضب غالبًا ما يكون مفاجئًا، ولا يثبت فيه إلا من استحضر مراقبة الله.

وفيه إشارة إلى أن أعظم الانتصارات ليست على الآخرين، بل على النفس.

ويكشف الحديث أن الأخلاق ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل عبادة قلبية لها وزنها يوم القيامة.

وفيه رد على من يظن أن العفو ضعف، بل هو قوة يكرم الله صاحبها أعظم تكريم.

:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

١. فضل كظم الغيظ *

قال النووي: كظم الغيظ من أخلاق المؤمنين، وشرحه أن حبس النفس عن الانفعال مع القدرة عليه دليل قوة الإيمان.

الشرح: يبين الحديث أن كظم الغيظ عبادة قلبية عظيمة لا تتحقق إلا مع القدرة، وهو ما يجعلها من أشرف الأخلاق، لأن النفس تميل بطبعها إلى الانتقام، فإذا خالفت هواها لله كان أجرها أعظم.

٢. أن العفو مع القدرة أفضل من الانتقام *

قال ابن حجر: العفو مع القدرة أعلى منزلة، وشرحه أن ترك الانتقام مع إمكانه من دلائل كمال الخلق.

الشرح: يدل الحديث على أن الفضل ليس في مجرد ترك الأذى، بل في تركه مع القدرة عليه، وهذا هو العفو الذي يحبه الله ويرفع به الدرجات.

٣. أن الجزاء من جنس العمل *

قال ابن القيم: الجزاء من جنس العمل قاعدة شرعية، وشرحه أن من ستر نفسه في الدنيا أظهره الله في الآخرة بالكرامة.

الشرح: لما كظم العبد غيظه في الدنيا وأخفاه عن الخلق، أظهره الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فكان الإخفاء هنا سببًا للإظهار هناك.

٤. فضل الأخلاق في ميزان الأعمال *

قال القرطبي: الأخلاق من أعظم القربات، وشرحه أن حسن الخلق يثقل الميزان يوم القيامة.

الشرح: الحديث يدل على أن الأخلاق ليست نافلة، بل هي من أعظم أسباب دخول الجنة ونيل الدرجات العالية.

٥. إثبات النعيم الحسي في الجنة *

قال أهل السنة: نعيم الجنة حسي ومعنوي، وشرحه أن ذكر الحور العين دليل على حقيقة النعيم.

الشرح: يثبت الحديث نعيم الجنة على حقيقته، ويربط بين العمل الصالح والجزاء الحسي والمعنوي معًا.

٦. أن الحلم خلق مكتسب *

قال الشاطبي: الأخلاق تُكتسب بالمجاهدة، وشرحه أن كظم الغيظ تدريب للنفس على الحلم.

الشرح: يدل الحديث على أن الحلم ليس طبعًا فحسب، بل يمكن للعبد أن يدرّب نفسه عليه بمجاهدة الغضب وحبسه لله تعالى.

:: الدروس المستفادة ::

١. كظم الغيظ من أعلى مراتب الأخلاق. 

٢. القوة الحقيقية في ضبط النفس. 

٣. العفو مع القدرة عبادة عظيمة. 

٤. الجزاء الأخروي مرتبط بالسلوك الدنيوي. 

٥. الأخلاق سبب لرفعة الدرجات. 

٦. مراقبة الله عند الغضب من أعظم العبادات. 

٧. الحلم طريق إلى الجنة.

الكتاب: رياض الصالحين

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)

المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]

 

الحديث رقم ٤٥ :

:: متن الحديث ::
٤٨ - وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه: أنَّ رَجُلًا قَالَ للنبي - صلى الله عليه وسلم: أوصِني.
قَالَ: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
رواه البخاري.
:: ترجمة الراوي ::
أبو هريرةَ عبدُ الرحمنِ بنُ صخرٍ الدَّوسيُّ رضي الله عنه، من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم رواية للحديث، أسلم عام خيبر، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، فحفظ عنه من السنن والأقوال ما لم يحفظه غيره، وكان معروفًا بقوة الحفظ والدقة في النقل، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ فاستُجيب له، روى عنه جمع غفير من الصحابة والتابعين، وكان من أهل العبادة والزهد، تولّى إمارة البحرين في زمن عمر رضي الله عنه، ثم رجع إلى المدينة، وكان شديد الحرص على تبليغ السنة، توفي سنة سبع وخمسين للهجرة، وقد أجمعت الأمة على قبول روايته والاحتجاج بحديثه، وعدّه العلماء من أوعية العلم وحفاظ السنة.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، وهو حديث صحيح بلا خلاف، تلقته الأمة بالقبول، واعتمد عليه العلماء في أبواب الأخلاق والتزكية وضبط النفس، ولم يخرجه مسلم بهذا اللفظ، لكنه ثابت من طريق أبي هريرة رضي الله عنه بأصح الأسانيد.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند البخاري:
حدّثنا عبد الله بن يوسف
قال أخبرنا مالك بن أنس
عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان
عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز
عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسناد عالٍ صحيح، من أصح الأسانيد، وهو مما يُضرب به المثل في الصحة والاتصال.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. عبد الله بن يوسف التنيسي *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: الحافظ الثقة
٢. مالك بن أنس *
قال الشافعي: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم
قال أحمد بن حنبل: مالك حجة
قال ابن معين: ثقة مأمون
قال النسائي: إمام ثقة
قال ابن حجر: إمام دار الهجرة
٣. أبو الزناد عبد الله بن ذكوان *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة فقيه
قال الذهبي: الإمام الثبت
٤. الأعرج عبد الرحمن بن هرمز *
قال ابن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: من أوعية العلم
٥. أبو هريرة رضي الله عنه **
قال ابن حجر: صحابي جليل
قال الذهبي: حافظ الصحابة
قال النووي: مجمع على عدالته
قال ابن عبد البر: من أوثق حملة العلم
قال ابن الأثير: أكثر الصحابة رواية
:: معاني الكلمات الغريبة ::
أوصني أي دلني على وصية جامعة
لا تغضب أي لا تسترسل مع الغضب ولا تعمل بمقتضاه
ردد مرارًا أي أعاد السؤال طلبًا لزيادة الوصية
:: الشرح المفصل للحديث ::
هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جمع فيه أصلًا عظيمًا من أصول تزكية النفس بكلمة واحدة، فالسائل طلب وصية شاملة، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا تغضب، ثم لما كرر السائل السؤال أعاد عليه الجواب نفسه، مما يدل على عظم شأن هذه الوصية.
وليس المراد نفي الغضب بالكلية، لأن الغضب طبع بشري، وإنما المراد النهي عن الاسترسال فيه والعمل بمقتضاه، أو الخروج عن حدود الشرع بسببه.
وتكرار الوصية يدل على أن الغضب أصل لكثير من الشرور، وأن ضبطه يقي العبد من الوقوع في محرمات كثيرة كالسب والشتم والضرب والقطيعة.
وفي الحديث فقه تربوي عظيم، حيث اختصر النبي صلى الله عليه وسلم الطريق على السائل، فبدل أن يعطيه وصايا كثيرة متفرقة، أعطاه أصلًا واحدًا إذا التزمه سلم دينه ودنياه.
كما يدل الحديث على أن أعظم ما يحتاجه الإنسان في تعامله مع الناس هو التحكم في انفعالاته، لأن الغضب إذا انفلت أفسد العقل والرأي.
وفيه إشارة إلى أن المجاهدة الحقيقية للنفس تكون عند هيجان الغضب، لأن النفس حينها تطلب التشفي والانتصار.
ويدل الحديث على أن حسن الخلق ليس مجرد معاملة لطيفة، بل هو ضبط داخلي للنفس عند الشدة.
كما أن تكرار النبي صلى الله عليه وسلم للوصية رحمة بالسائل، وتنبيه له على أن هذه الوصية تكفيه إن التزم بها.
ويُفهم من الحديث أن كثيرًا من الذنوب والمعاصي منشؤها الغضب غير المنضبط.
وفيه بيان لبلاغة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اختصر المعاني العظيمة بألفاظ قليلة.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب مجاهدة النفس عند الغضب *
قال النووي: الغضب أصل لكثير من الشرور، وشرحه أن الشريعة جاءت بكبحه وضبطه.
الشرح: يدل الحديث على أن العبد مأمور بمجاهدة نفسه عند الغضب، وعدم الانقياد له، لأن تركه دون ضبط يوقع في المحرمات.
٢. أن الوصية الواحدة قد تغني عن غيرها *
قال ابن حجر: جوامع الكلم تختصر الطريق، وشرحه أن الوصية الجامعة أنفع من كثرة التوجيهات.
الشرح: في الحديث دليل على أن المعلم الحكيم يختار للسائل ما يناسب حاله، وقد تكفيه وصية واحدة جامعة.
٣. فضل حسن الخلق *
قال القرطبي: حسن الخلق من أعظم القربات، وشرحه أن ضبط الغضب أصل فيه.
الشرح: الحديث يدل على أن ترك الغضب سبب رئيس لتحقيق حسن الخلق الذي يحبه الله ورسوله.
٤. أن الغضب يؤثر في العقل *
قال ابن القيم: الغضب يفسد الرأي، وشرحه أن العقل يضعف عند الانفعال.
الشرح: النهي عن الغضب يتضمن حفظ العقل والرأي السديد، لأن الغضب يعمي البصيرة.
٥. تكرار التعليم للتأكيد *
قال الشاطبي: التكرار يفيد التوكيد، وشرحه أن إعادة الوصية دليل على أهميتها.
الشرح: تكرار النبي صلى الله عليه وسلم للجواب يدل على أن هذا الأمر من أعظم ما يُحتاج إليه في السلوك.
٦. أن الغضب باب للمعاصي *
قال ابن رجب: أكثر الذنوب تنشأ من الغضب، وشرحه أن كبحه يسد أبواب الشر.
الشرح: الحديث يرشد إلى سد الذرائع، فبكف الغضب تُغلق أبواب كثيرة من المعاصي.
:: الدروس المستفادة ::
١. الغضب أصل لكثير من الشرور. 
٢. ضبط النفس من أعظم العبادات. 
٣. جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم كافية لمن عقلها. 
٤. تكرار الوصية دليل على أهميتها. 
٥. حسن الخلق يبدأ من داخل النفس. 
٦. مجاهدة الغضب سبب لسلامة الدين. 
٧. قلة الكلام مع عظم المعنى من دلائل النبوة.



   
اقتباس
شارك: