الحديث رقم ٤٣ :
:: متن الحديث ::
٤٦ - وعن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
:: ترجمة الراوي ::
سُلَيْمَانُ بنُ صُرَدٍ بن بَكْرٍ بن عَمْرو الدُّوسِيُّ، من الأنصار الأوائل في الإسلام، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهد كثيرة، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم جلساء ورفقاء، ينقل عنه الأحاديث، ويعلمها للآخرين، كان من أهل العافية والصلاح والورع، شارك في تعليم الصحابة والتابعين، وله روايات في الزهد وفي آداب الغضب وفي التحصّن من الشيطان، عرف بالدقة في النقل والاحتياط في الخبر، روى عنه جماعة من التابعين الثقات، ودرس الحديث والإسناد، وعُرف بالتربية الحسنة والخلق القويم، عاش بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مرجعًا في الأخبار النبوية بين أهل المدينة، وقد احتجّ بشرحه وتفسيره للأحاديث، وتوفي في زمان التابعين ورحل إلى رحمه الله، وله في التراث الحديثي أثر واضح في باب الأخلاق والتزكية.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب ما يروى من آداب الغضب والتحصّن)، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل (باب ذكر الحلم وفضائل الحلم وكظم الغيظ)، وقد أجمعت مصادر الحديث على صحة هذا الحديث وإسناده المتصل، وقد تلقّاه العلماء بالثقة والقبول، وهو متفق عليه بين الصحيحين دون شاذ أو معترض عليه في المتن أو السند.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. عبدان *
قال ابن حجر: ثقة ثبت في النقل
قال الذهبي: ثقة موثوق
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث
قال النسائي: ثقة
٢. أبو حمزة محمد بن ميمون السكري *
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: من أثبت الحفاظ
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
٣. الأعمش *
قال ابن حجر: ثقة
قال الذهبي: الإمام الزاهد
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
٤. عدي بن ثابت *
قال ابن حجر: ثقة
قال الذهبي: ثقة ثبت
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: صالح
قال النسائي: ثقة
٥. سليمان بن صرَدٍ رضي الله عنه **
قال ابن حجر: صحابي جليل
قال الذهبي: من الثقات العدول
:: معاني الكلمات الغريبة ::
يستبان أي يتخاصمان ويتجادلان
أوداجه المقصورات في الرقبة من شدة الغضب
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم دعاء للتحصّن والتخلّص من وساوس الشيطان وربط النفس
:: الشرح المفصل للحديث ::
يشتمل هذا الحديث على معانٍ عميقة في تهذيب النفس وضبط الغضب والتحصّن من تأثير الشيطان، إذ يصف النبي صلى الله عليه وسلم موقف رجلين يتخاصمان إلى حدّ الاحتقان الجسدي والذهني، فيكثر الغضب فيهما حتى احمرّ وجه أحدهما وانتفخت أوداجه، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلمة واحدة لها أثر جَلّي في تهدئة النفس وضبط الغضب، وهي قوله: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
هذه الكلمة ليست مجرد لفظ بل هي تحصّن واستعاذة كاملة بالله تعالى من كل ما يوسوس الشر ويرفع في النفس من امتلاء الغضب والخصومة، فالحديث يربط بين الكلمة والنتيجة النفسية والجسمانية على مستوى وجداني: إذا قالها الإنسان بخشوع وإخلاص، يذهب عنه ما يجد من ألم الغضب والتشنّج.
ويظهر من هذا الموقف أن الغضب قوة فطرية في النفس لكنها إذا لم تُضبط قد تؤدي إلى أذى للذات والآخرين، سواء بالإساءة اللفظية أو الاعتداء الفعلي. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا علّم أصحابه تدريبًا عمليًا على ضبط القوة الباطنة باستخدام الذكر والتوكّل على الله، مما يجعل النفس تتحرّر من هيجانها.
كما يكشف الحديث عن مقصد تربوي رباني في لمسة واحدة: الربط بين الذكر والعلاج النفسي، بحيث يصبح الذكر ليس فقط عبادة بل وسيلة علاجية للتأثير على النفس المدّركة لجسد الإنسان، وكان هذا من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم الواقعي لا النظري فقط.
ومن ثَمّ يظهر في الحديث أثر الذكر في تهدئة نفس الإنسان وتخفيف انفعالاته، ويُفهم أنه ليس مجرد ترديد لفظي، بل توكُّل ومدد روحي يستوحش منه القلب ويهدّئه. وإن هذا يبيّن أن الإسلام لا ينكر المشاعر الطبيعية كالغيظ والغضب، لكنه يعلّم كيفية السيطرة عليها وتقويمها، وأن أعظم القوة ليست في تفريغها وتركها تتفشى، بل في ضبطها وتوجيهها إلى ما يرضي الله.
الحديث أيضًا يُظهر أن التعامل مع الغضب لا يكون فقط بصياغات فقهية نظرية، بل بتطبيقات عملية وذكر مأثور يوفّر للمؤمن سُلّة أدوات نفسية وروحية يستعين بها، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.
ومن حكمة الحديث أنه ليس فيه نهي محض عن الغضب كحالة شعورية بل عن الإفراط والتصرّف اللحظي بلا وَعي ولا ضبط، فهذا تربية ربانية لنفس الإنسان على أن يكون أقوى من انفعالاته، وأشدّ بتوكّله على الله في لحظات الاستفزاز.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب كظم الغيظ *
قال النووي: كظم الغيظ واجب، وشرحه أن استعمال ذكر الله عند الغضب سبب لطهارة النفس وحفظها من الأذى.
الشرح: يشير الحديث إلى أن ترك النفس تنفلت عند الغضب ليس من الشدة المحمودة، بل المطلوب من المؤمن أن يحبس نفسه عند هيجان الغضب ويستعين بالله بالذكر. ويُفهم أن الكظم ليس مجرد مقاومة لفظية بل سلوك تربوي عملي يحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي.
٢. استحباب التحصّن من الوسوسة *
قال ابن حجر: التحصن بالكلمات المأثورة سبب دفع الشرور، وشرحه أن كل ذكر مأثور يحمي القلب والجسد من تأثير الشيطان.
الشرح: يبيّن الحديث أن التحصّن بذكر معين له أثر واقعي، وأن ذكر “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” ليس فقط توصية بل وسيلة عملية للوقاية من تأثير الشيطان في النفس، مما يُظهر أهمية ذكر الله في مواجهة كل ما يثير الهيجان النفسي.
٣. أن الغضب فطرة قابلة للتهذيب *
قال القرطبي: الغضب فطرة، وشرحه أن تهذيبها بالذكر والسيطرة عليها من شيم المؤمنين.
الشرح: يقرّ الحديث بأن الغضب شعور طبيعي، لكنه يعطي آلية عملية لضبطه. وهذا يدل على أن الشريعة لا تبطل الفطرة، بل تُعلّم المسلم كيف يجعلها وسيلة نفع لا ضرر.
٤. أن القوة الحقيقية معنوية *
قال ابن تيمية: القوة الحقيقية في ضبط النفس، وشرحه أن السيطرة على الغضب أهم من القوة البدنية.
الشرح: الحديث يضع معيارًا آخر للقوة، وهو ليس في القدرة على التفريغ أو الانفعال، بل في ضبط النفس وترويضها، وهذا معيار أخلاقي رفيع في الإسلام.
٥. أثر الصحبة الصالحة *
قال الشاطبي: الجلوس مع الصالحين سبب التزكية، وشرحه أن تأثير الصحبة الصالحة في ضبط النفس أمر ثابت عمليًا.
الشرح: الحديث يبدأ بمشهد جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن الرفقة الصالحة تساعد في تهذيب النفس وإرشادها إلى ما يصلحها، وأن مكان الإنسان يصنع أثرًا في تربية نفسه.
٦. أثر الذكر في تهدئة النفس *
قال ابن القيم: الذكر سبب طمأنينة القلب، وشرحه أن ترديد الكلمات المأثورة يخفف من شدة الغضب ويزيد في الاتزان النفسي.
الشرح: الحديث يوضح أن الذكر ليس فقط لطمأنة القلب في حالة السكينة، بل أداة عملية لتخفيف الهيجان النفسي عند الغضب، مما يجعل الذكر جزءًا من العلاج النفسي الشرعي.
:: الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث ::
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]