الحديث رقم ٤٩ :
:: متن الحديث ::
٥٢ - وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير - رضي الله عنه: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، قَالَ: يَا رسولَ الله، ألَا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا، فَقَالَ: «إنكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
:: ترجمة الراوي ::
أُسَيْد بن حُضَيرِ بن كُلَيْب الأنصاري رضي الله عنه من أهل المدينة المنورة، من أنصار رسول الله ﷺ وأحد رواة الحديث الثقات، شهد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وجلس في مجلسه وسمع عنه كثيرًا، وقد روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث في الفضائل والآداب والزهد والأثرة، وكان ممن عُرفوا بالورع والسداد في النقل، أخذ العلم عن كبار الصحابة وعلَّمه للتابعين، وقد ثَبَت ذكره عند المحدثين واعتُبر مرجعًا في نقله. ولُقِّب من العلماء بحسن الحفظ وعدالته في الرواية، وهو من الذين احتُجَّ بأثرهم في كتب الحديث، وكان من أهل الصدق في النقل، وقد توفي رضي الله عنه بعد زمن النبي ﷺ في المدينة، بعد أن ترك أثرًا طيبًا في العلم والحديث والاتباع.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، وهو حديث متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، ويُعد من الأحاديث الأصول في باب الصبر على الأثرة، وضبط النفس عند التنافس في الولايات والمناصب.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند البخاري: حدّثنا محمد بن بشار
حدّثنا غندر
حدّثنا شعبة
عن قتادة
عن أنس بن مالك
عن أُسيد بن حضير رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
إسناد متصل صحيح، رجاله أئمة حفاظ احتج بهم الشيخان.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. محمد بن بشار *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: الإمام الثقة
٢. غندر *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: من الثقات
٣. شعبة بن الحجاج *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثابت
قال الذهبي: الإمام الجليل
٤. قتادة بن دعامة *
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة
قال الذهبي: من الثقات
٥. أنس بن مالك رضي الله عنه **
قال ابن حجر: صحابي جليل
قال الذهبي: من كبار الصحابة
قال ابن الأثير: مجمع على فضله
٦. أُسيد بن حضير رضي الله عنه **
صحابي جليل
:: معاني الكلمات الغريبة ::
الأثرة أي الاستئثار بالحقوق والمنافع
الحوض هو مورد النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
:: الشرح المفصل للحديث ::
يبين هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم واقعة يقع فيها الناس بعد وفاته من الاستئثار والمنافسة في المناصب والمنافع، إذ أشار النبي ﷺ إلى أن بعض الناس سيُفضَّلون على بعض بعده، وأن الفتن والمنافَسات على الأمور الدنيوية ستظهر، وهذا لا يعني خروجًا عن الشرع، بل هو واقعٌ بشري موجود في سِيَر الأمم بعد زوال الحاكم العادل.
ولما سأل الرجل من الأنصار رسول الله ﷺ أن يستعمله كما استعمل غيره في المناصب، نبَّه النبي إلى هذه الحالة المستقبلية فقال: «ستلقون بعدي أثرة»، أي ستجدون بعدي من يُستَخدم ويُفضَّل على غيره، وقد قيل إن المراد من الأثرة استئثار الولاة والأمراء ببعض المنافع والوظائف على أقرانهم، وليس معناه أن الحق يُسلب منهم بغير وجه، بل أن البعض في التوزيع سيُفضَّل على البعض الآخر.
وفي قوله ﷺ: «فاصبروا» أمر صريح بالصبر على ما يقع من التنافس غير المشروع النفسي بين الناس، وأن لا يجعل غيظ الأنفس وسخطها سببًا في الفتن أو النزاع أو الرجوع إلى الفوضى، فالصبر هنا قوةٌ نفسية تربويّة شرعية تجعل المسلم يثبت على طاعة الله طظويؤدي ما عليه من واجبات، حتى لو لم يُستجب في الدنيا لطلبه في المنصب أو المنفعة.
ثم وعد النبي ﷺ أصحابه قائلاً: «حتّى تلقوني على الحوض»، وفي هذا تشريفٌ عظيم وتسلية للمؤمنين، إذ إن لقاء النبي ﷺ عند الحوض يوم القيامة من أشرف الدرجات، وهو وعد للمثبتين على الصبر وعدم الفتنة، وأن لهم مقامًا مع النبي صلى الله عليه وسلم في لقاءٍ كريمٍ عند الحوض، مما يدل على عظم الجزاء عند الله تعالى للذين يصبرون ويحتسبون.
ويربط الحديث بين الواقع الدنيوي المتغير غير الكامل وبين الآخرة الكاملة المستقرة، فيؤصل لفكرة أن الدلالات الشرعية لا تُقاس بظواهر الدنيا، بل بمراتب الآخرة، وأن من يصبر في الدنيا يلقى جزاءه عند الله عند الحوض مع النبي ﷺ.
ومن أنفع ما يُستفاد من هذا الحديث أن المسلم لا يتعلّق بكرامات الدنيا المؤقتة ولا بصعود المناصب الدنيوية، بل ينبغي أن يعقد أمله على ما عند الله، وأن الصبر والتسليم للقضاء هو سبيل النصر والكرامة الحقيقية.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب الصبر على الأثرة *
قال النووي: الصبر في مثل هذه المواقف من أعظم القربات، وشرحه أن المسلم مطالب بأن يصبر على ما يقع من تفضيل الناس بعضهم على بعض، ولا يخرج على الأمراء، بل يحفظ جماعة المسلمين ويحتسب الأجر عند الله.
الشرح: الحديث يدل على أن وقوع الاستئثار بين الناس لا يوجب الردّ بالمقابل ولا النزاع، بل يوجب الصبر الاحتسابي، فإن هذا الصبر يربط القلب بالآخرة فلا يجعله منشغلًا بالظلم الظاهر.
٢. تحريم قطيعة الجماعة عند الفتن *
قال ابن تيمية: جماعة المسلمين تُصان بالصبر وعدم التفرق، وشرحه أن الافتراق والصدام في مثل هذه الحالات يزيد الشر ويضعف المسلمين.
الشرح: الحديث يظهر أن المسلم إنما ينبغي له أن يحافظ على أسرته المسلمة، وأن لا يجعل المنافسة الدنيوية سببًا في تفرق الأمة، بل ينأى بنفسه ويحتسب الأجر.
٣. أن الجزاء الحقيقي عند الله *
قال ابن القيم: الجزاء يُنال في الآخرة لا في الدنيا، وشرحه أن من لم يجد حقه في الدنيا فمصيره الكرامة عند الله.
الشرح: الحديث يؤكد أن الدنيا ليست مقياس الجزاء، وأن الجزاء الحقيقي محفوظ للمؤمنين عند الله يوم القيامة.
٤. أن تحملَ الفتن بابٌ للثبات *
قال الشاطبي: تحمل الفتن يرسّخ الإيمان، وشرحه أن المجاهدة هنا تحمل النفس على أن لا تفتن بالفتن الدنيوية.
الشرح: الحديث يدرب النفس أن ترى الفتن الكثيرة التي ستقع بعد النبي ﷺ وتتعامل معها بتثبيت القلب.
٥. أن الحوض مقام شرف للمثبتين *
قال القرطبي: لقاء النبي عند الحوض شرف لا يُنال إلا بالصبر، وشرحه أن هذا اللقاء علامة على منزل المؤمنين.
الشرح: الحديث يربط أثر الصبر بكرامة المؤمن في الآخرة عند الحوض، مما يوضح فضل الصبر العظيم.
٦. أن مقاومة الظلم بالقلب مشروع *
قال ابن حجر: كظمُ الغيظ من معالم الإيمان، وشرحه أن صاحب الحق يصبر ويحتسب ولا يفتن المجتمع.
الشرح: الحديث يدل على أن مقاومة الظلم والنظر إلى الحق محفوظ عند الله سلوك مشروع لكن ليس بالفتنة.
:: الدروس المستفادة ::
• الصبر على ما يُصيب الإنسان من تفضيل غيره عليه.
• التسليم لله في المقادير وعدم التشاغل بالدنيا.
• أن الجزاء الحقيقي عند الله لا في الدنيا.
• الثبات على الحق دون فتنة.
• الاحتساب سر الفوز العظيم.
• حفظ الجماعة خير من النزاع.
• الآخرة دار الجزاء والكرامة.