الحديث رقم ( 21 )
متن الحديث ::
عن أبي نُجَيْدٍ ـ بضم النون وفتح الجيم ـ عِمْرانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزاعيِّ رضي الله عنهما:
أنَّ امرأةً من جُهَيْنَةَ أتت رسولَ الله ﷺ وهي حُبْلَى من الزِّنا، فقالت: يا رسولَ الله، أصبتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ.
فدعا نبيُّ الله ﷺ وليَّها فقال:
«أَحْسِنْ إليها، فإذا وضَعَتْ فَأْتِنِي».
ففعل، فأمر بها نبيُّ الله ﷺ فشُدَّتْ عليها ثيابُها، ثم أمر بها فرُجِمَت، ثم صلَّى عليها.
فقال له عمرُ رضي الله عنه: تُصلِّي عليها يا رسولَ الله وقد زَنَتْ؟
قال ﷺ:
«لقد تابتْ توبةً لو قُسِمَت بين سبعين من أهل المدينة لَوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ أفضلَ من أن جادتْ بنفسِها لله عز وجل؟»
رواه مسلم.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الحدود.
وسنده:
حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع بن الجراح، قال: حدَّثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي نُجَيْد عمران بن الحصين رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد
أبو بكر بن أبي شيبة
قال يحيى بن معين: ثقة.
وقال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت.
وقال ابن حجر: حافظ ثقة.
وكيع بن الجراح
قال الذهبي: الإمام الحافظ، شيخ الإسلام.
وقال ابن المديني: ما رأيت أحفظ منه.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ عابد.
سفيان الثوري
قال شعبة: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن المبارك: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه.
وقال الذهبي: الإمام الحافظ الزاهد.
أبو إسحاق السبيعي
قال أحمد بن حنبل: ثقة، اختلط في آخر عمره.
وقال ابن معين: ثقة.
وقال ابن حجر: صدوق، اختلط بآخره، وحديث القدماء عنه صحيح.
عمران بن الحصين
صحابي جليل.
قال ابن عبد البر: من فقهاء الصحابة.
وقال الذهبي: من خيار الصحابة وأهل العلم.
حكم الحديث
حديث صحيح قطعي الثبوت.
سبب ورود الحديث ::
وقوع هذه المرأة في الزنا، وغلبة خوف الله تعالى على قلبها، وعدم رضاها أن تلقى الله بذنب لم تُطهَّر منه، فجاءت مختارة تطلب إقامة حد الله عليها، فكان هذا سبب ورود الحديث، وبيان أحكام التوبة والحدود والرحمة الإلهية.
الشرح المفصل للحديث ::
هذا الحديث من أعظم النصوص التي جمعت بين هيبة الشريعة وسَعة الرحمة. جاءت المرأة معترفة غير مكرهة، تطلب التطهير لا الهروب. فلم يُبادِر النبي ﷺ بإقامة الحد، بل راعى حق الجنين، وأمر بالإحسان إليها، ثم أقام الحد بعد زوال المانع، ثم صلى عليها وأثنى على توبتها، فدل ذلك على أن الشريعة لا تنتقم، بل تُصلِح، ولا تُعذِّب لمجرد العقوبة، بل تُطهِّر وتُزكِّي. وفي الحديث ردٌّ على أهل الغلو والتكفير، وإظهار لميزان الله الذي يزن القلوب لا الصور.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: الإقرار بالزنا ليس واجبًا
قال النووي: الإقرار بالزنا لا يجب، بل الستر أولى.
الشرح:
الأصل في الشريعة الستر، ولا يُطلب من العاصي فضح نفسه، لكن من غلب عليه الخوف من الله، ورأى في الإقرار تطهيرًا لنفسه، جاز له ذلك، كما فعلت هذه المرأة.
الفرع الثاني: تأخير إقامة الحد لحق الغير
قال ابن قدامة: لا يقام الحد على الحامل حتى تضع بإجماع العلماء.
الشرح:
الجنين نفس معصومة، فحُفظ حقه، وفي ذلك تقرير قاعدة أن العقوبة لا تتعدى الجاني إلى غيره.
الفرع الثالث: تقديم درء المفاسد
قال ابن تيمية: الشريعة مبناها على جلب المصالح ودرء المفاسد.
الشرح:
إقامة الحد أثناء الحمل مفسدة عظيمة، فدُفعت بتأخير الحد.
الفرع الرابع: الحد كفارة للذنب
قال ابن القيم: الحدود كفارات لأهلها إذا أُقيمت عليهم.
الشرح:
مدح النبي ﷺ توبتها بعد الحد دليل على أنها خرجت من الذنب طاهرة.
الفرع الخامس: الصلاة على صاحب الكبيرة
قال الشافعي: يُصلَّى على كل مسلم.
الشرح:
صلاة النبي ﷺ عليها دليل قاطع على بقاء الإسلام مع ارتكاب الكبيرة.
الفرع السادس: فضل التوبة الصادقة
قال ابن رجب: التوبة الصادقة ترفع صاحبها وإن عظم ذنبه.
الشرح:
قوله ﷺ: لو قُسمت بين سبعين، دليل على عظم قدر توبتها عند الله.
الفرع السابع: التضحية في سبيل رضا الله
قال ابن القيم: من آثر رضا الله على نفسه بلغ أعلى المراتب.
الشرح:
هذه المرأة قدّمت نفسها لله، فبلغت درجة عالية من الصدق.
الفرع الثامن: تحريم احتقار التائب
قال النووي: احتقار التائب معصية عظيمة.
الشرح:
إنكار النبي ﷺ على عمر تعليم للأمة ألا تحكم على القلوب.
الدروس المستفادة من الحديث ::
• سَعة رحمة الله مهما عظم الذنب.
• عِظم منزلة التوبة الصادقة عند الله.
• أن الحدود شُرعت للتطهير لا للانتقام.
• أن حقوق الأبرياء مقدَّمة في الأحكام.
• أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإسلام.
• أن الصدق مع الله سبب ال نجاة.
• أن الستر هو الأصل في الشريعة.
• أن التائب قد يبلغ أعلى المنازل عند الله.
متن الحديث
وعن ابن عباس و أنس بن مالك رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
«لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
متفقٌ عليه.
---
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق)، ومسلم في صحيحه (كتاب الزكاة).
إسناد حديث ابن عباس عند البخاري *
عبد الله بن يوسف
عن مالك بن أنس
عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان
عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
إسناد حديث أنس عند مسلم *
زهير بن حرب
عن جرير بن عبد الحميد
عن سهيل بن أبي صالح
عن أبيه أبي صالح السمان
عن أنس بن مالك رضي الله عنه
---
الحكم على رجال الإسناد :
عبد الله بن يوسف التنيسي
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
قال الذهبي: الإمام الحافظ.
مالك بن أنس
قال الشافعي: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد يدك به.
قال ابن حجر: إمام دار الهجرة، ثقة فقيه.
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
قال أحمد: ثقة.
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة فقيه.
الأعرج عبد الرحمن بن هرمز
قال الذهبي: ثقة ثبت.
قال ابن حجر: ثقة.
زهير بن حرب
قال النسائي: ثقة.
قال ابن حجر: حافظ.
جرير بن عبد الحميد
قال أحمد: ثقة.
قال ابن معين: ثقة.
سهيل بن أبي صالح
قال ابن معين: صدوق.
قال ابن حجر: صدوق له أوهام.
أبو صالح السمان
قال أحمد: ثقة.
قال الذهبي: من أوعية العلم.
عبد الله بن عباس
صحابي جليل، حبر الأمة، عدل بإجماع.
أنس بن مالك
خادم رسول الله ﷺ، من المكثرين من الرواية، عدل بإجماع أهل السنة.
حكم الحديث
حديث صحيح متفق عليه.
---
سبب ورود الحديث
قال الحسن البصري: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من حب الناس للدنيا.
الشرح:
ورد الحديث بيانًا لحقيقة الطبع الإنساني في التعلق بالدنيا، وتحذيرًا من الاسترسال مع الشهوة، وتعليمًا للأمة أن المال لا يُشبع النفس، مع فتح باب الرجوع إلى الله بالتوبة، مهما طال الأمل وتعاظم الحرص.
---
الشرح المفصل للحديث
قال الفضيل بن عياض: من أحب الدنيا أضرّ بآخرته، ومن أحب الآخرة أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى.
يقرر النبي ﷺ أن النفس البشرية لا تقف عند حد في طلب المال، فلو ملكت الكثير لتمنّت المزيد، وأن هذه الشهوة لا تنتهي إلا بالموت، كنايةً عنه بقوله: «ولن يملأ فاه إلا التراب». ثم يختم الحديث بأعظم باب رجاء: قبول التوبة، ليبين أن الذم ليس في المال ذاته، وإنما في التعلق القلبي به، وأن من رجع إلى الله تاب الله عليه ولو بعد طول انشغال بالدنيا.
---
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث
الفرع الأول: ذم الشره والطمع في المال
قال عمر بن عبد العزيز: إنما الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له.
الشرح:
الحديث نص في ذم الطمع، وأن الشره لا يزيد صاحبه إلا تعلقًا وهمًّا، وأن السلامة في كبح الشهوة لا في تغذيتها.
قال ابن المبارك: القناعة مال لا ينفد.
---
الفرع الثاني: أن الغنى الحقيقي غنى القلب
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
الشرح:
يدل الحديث على أن كثرة المال لا تعني الغنى، بل قد تزيد الفقر القلبي، وأن الامتلاء الحقيقي هو امتلاء النفس بالقناعة.
قال سفيان الثوري: الزهد قصر الأمل.
---
الفرع الثالث: بيان فطرية حب المال
قال ابن مسعود رضي الله عنه: القلب يحب ما يوافقه.
الشرح:
الحديث لا يذم أصل الميل إلى المال، لأنه فطرة، وإنما يذم إطلاقها بلا ضبط شرعي حتى تقود إلى الغفلة.
قال الحسن البصري: نِعم العون الدنيا لمن اتقى بها.
---
الفرع الرابع: التذكير بالموت وقطع التعلقات
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: اذكروا الموت في الرخاء يذكركم في الشدة.
الشرح:
قوله ﷺ: «ولن يملأ فاه إلا التراب» يقطع أمل المتعلق بالدنيا، ويذكره بأن النهاية واحدة مهما كثرت الأموال.
قال الفضيل بن عياض: كفى بالموت واعظًا.
---
الفرع الخامس: سعة باب التوبة
قال ابن القيم: لو لم يكن في التوبة إلا محبة الله للتائب لكفى.
الشرح:
ختم الحديث بقبول التوبة يدل على أن الانغماس في الدنيا لا يغلق باب الرجوع، وأن الله يقبل من عبده متى صدق.
قال الحسن البصري: التوبة حبيب الله.
---
الفرع السادس: الجمع بين الترهيب والترغيب
قال عبد الله بن المبارك: العالم من يخوف الناس من الله ولا يقنطهم.
الشرح:
جمع الحديث بين التحذير من الطمع، وبشارة قبول التوبة، وهو أكمل المناهج في إصلاح القلوب.
قال سفيان بن عيينة: من عبد الله بالحب وحده تزندق، ومن عبده بالخوف وحده قنط.
---
الدروس المستفادة من الحديث
• أن الطمع لا يشبع النفس.
• أن القناعة أصل السعادة.
• أن المال لا يملأ القلب.
• أن الموت نهاية كل شهوة دنيوية.
• أن الغنى الحقيقي غنى النفس.
• أن باب التوبة مفتوح دائمًا.
• أن التعلق بالدنيا سبب الغفلة.
• أن التوازن بين الخوف والرجاء هو سبيل النجاة.
---
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---