متن الحديث
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
«يَضْحَكُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ».
متفقٌ عليه.
---
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، وكتاب التوبة)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان).
إسناد البخاري*
عبد الله بن يوسف
عن مالك بن أنس
عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر
عن أبي صالح السمان
عن أبي هريرة رضي الله عنه
إسناد مسلم*
أبو بكر بن أبي شيبة
عن وكيع
عن سفيان الثوري
عن أبي الزناد
عن الأعرج
عن أبي هريرة رضي الله عنه.
---
الحكم على رجال الإسناد ::
عبد الله بن يوسف التنيسي
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
قال الذهبي: الإمام الحافظ.
مالك بن أنس
قال الشافعي: إذا صح الحديث عن مالك فهو الحجة.
قال ابن حجر: إمام فقيه ثقة.
سُمَيّ مولى أبي بكر
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة.
أبو صالح السمان
قال أحمد: ثقة.
قال النسائي: ثقة ثبت.
أبو بكر بن أبي شيبة
قال ابن حجر: حافظ ثقة.
قال الذهبي: الإمام الحافظ.
وكيع بن الجراح
قال أحمد: ما رأيت أحفظ من وكيع.
قال ابن حجر: ثقة حافظ.
سفيان الثوري
قال شعبة: أمير المؤمنين في الحديث.
قال ابن حجر: ثقة فقيه إمام.
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
قال أحمد: ثقة.
قال ابن معين: ثقة.
الأعرج عبد الرحمن بن هرمز
قال الذهبي: ثقة ثبت.
قال ابن حجر: ثقة.
أبو هريرة
صحابي جليل، حافظ الصحابة، عدل بإجماع أهل السنة.
حكم الحديث
حديث صحيح متفق عليه.
---
سبب ورود الحديث ::
قال سفيان بن عيينة: أحاديث الرجاء سياط تسوق القلوب إلى الله.
رد الحديث لبيان سعة رحمة الله، وأن الإسلام يهدم ما قبله، ولإزالة الإشكال في عِظم الذنب مع عِظم المغفرة، ولتقرير أن الهداية بيد الله يقلب بها القلوب من أقصى العداوة إلى أعلى مراتب القرب.
---
الشرح المفصل للحديث ::
قال ابن القيم: تأمل كيف جمع الله بين القتل والشهادة، وبين الكفر والإيمان، وبين الضحك الإلهي ودخول الجنة.
ثبت الحديث صفة الضحك لله تعالى على ما يليق بجلاله بلا تشبيه ولا تمثيل، وهو ضحك رحمة ورضا. ويبين أن الرجل الأول قُتل مجاهدًا فدخل الجنة، والثاني كان كافرًا قاتلًا ثم تاب الله عليه فأسلم وجاهد حتى استشهد، فاجتمع الاثنان في الجنة رغم أن أحدهما قتل الآخر، وفي هذا أعظم دليل على أن الإسلام يجبّ ما قبله، وأن التوبة تمحو ما قبلها مهما عظم الذنب.
---
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: إثبات صفة الضحك لله على الوجه اللائق به
قال الإمام أحمد: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئًا منها.
الشرح:
الحديث أصل في إثبات الصفات الخبرية، ومنها الضحك، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل، وهو مذهب السلف الصالح.
قال إسحاق بن راهويه: إنما الكفر أن يقال كيف.
---
الفرع الثاني: الإسلام يهدم ما قبله
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله.
الشرح:
القاتل بعد إسلامه صار من أهل الجنة، مما يدل على أن الكفر وما ترتب عليه من جرائم تمحوه التوبة والإسلام الصادق.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الإسلام يجب ما قبله.
---
الفرع الثالث: قبول التوبة من الصغائر والكبائر
قال الحسن البصري: لو لم يقبل الله التوبة إلا من الصغائر لهلك الناس.
الشرح:
الحديث نص في قبول توبة القاتل الكافر إذا صدق في إسلامه، وهو رد على أهل اليأس والقنوط.
قال ابن تيمية: باب التوبة مفتوح إلى قيام الساعة.
---
الفرع الرابع: فضل الجهاد في سبيل الله
قال عبد الله بن المبارك: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.
الشرح:
كلا الرجلين دخلا الجنة بسبب الجهاد، أحدهما ابتداءً والآخر انتهاءً، وفيه بيان عظيم فضل هذه العبادة.
قال النووي: فيه فضل الشهادة وعلو منزلتها.
---
الفرع الخامس: تقلب القلوب بيد الله
قال سفيان الثوري: ما خفت شيئًا مثل الخاتمة.
الشرح:
قاتل الأمس صار شهيد اليوم، مما يدل على سرعة تقلب القلوب، ووجوب سؤال الله الثبات.
قال ابن القيم: القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.
---
الفرع السادس: الجمع بين العدل والرحمة
قال ابن رجب: هذا الحديث من أوسع أحاديث الرجاء.
الشرح:
فيه عدل الله بإهلاك الكافر على كفره، ثم رحمته بهدايته وقبوله في الشهداء، وهو من أعظم مشاهد التوازن الإلهي.
قال الفضيل بن عياض: لو علمت أن الله قبل مني سجدة لتمنيت الموت.
---
الدروس المستفادة من الحديث ::
• سعة رحمة الله وعظيم مغفرته.
• أن الإسلام يمحو ما قبله من الذنوب.
• أن التوبة الصادقة تقلب المصير.
• أن القتل في سبيل الله شهادة عظيمة.
• أن الهداية بيد الله وحده.
• أن صفات الله تُثبت بلا تمثيل ولا تعطيل.
• أن حسن الخاتمة أعظم ما يُسأل.
• أن الرجاء لا يسقط حتى مع أعظم الذنوب.
الحديث رقم ( 24 )
متن الحديث
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ:
«الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ ـ أَوْ تَمْلأُ ـ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا».
رواه مسلم.
ترجمة الراوي ::
هو أبو مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه، صحابي جليل من قبيلة الأشعريين، قدم مع قومه على النبي ﷺ فأسلموا، وكان من أهل الصدق والفضل. روى عنه جمع من التابعين، وله أحاديث في أصول الدين والعبادات.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «له صحبة ورواية، وهو معدود في أهل الفضل».
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «صحابي معروف، روى عنه الثقات».
وقال ابن حجر في الإصابة: «له رواية في صحيح مسلم، ولا يُسأل عن عدالة الصحابة».
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الطهارة).
إسناد مسلم *
قال مسلم: حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
قال: حدَّثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ،
عن مَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ،
عن أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ،
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد
1- زهير بن حرب
قال يحيى بن معين: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
2- جرير بن عبد الحميد
قال أحمد بن حنبل: ثقة.
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة حافظ.
3- منصور بن المعتمر
قال شعبة: ما رأيت أحدًا أحفظ من منصور.
قال ابن معين: ثقة ثبت.
قال ابن حجر: ثقة ثبت فقيه.
4- أبو وائل شقيق بن سلمة
قال العجلي: ثقة مخضرم.
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.
قال ابن حجر: ثقة مخضرم.
5- أبو مالك الأشعري
قال ابن عبد البر: صحابي عدل بإجماع.
قال الذهبي: من الصحابة المعروفين.
حكم الحديث النهائي :
حديث صحيح.
معاني الكلمات الغريبة ::
الطهور: الطهارة الحسية والمعنوية.
شطر الإيمان: نصفه أو جزء عظيم منه.
الميزان: ميزان الأعمال يوم القيامة.
برهان: دليل ظاهر على صدق الإيمان.
ضياء: نور مع حرارة ومشقة.
موبقها: مهلكها.
الشرح المفصل للحديث ::
قال الإمام النووي: هذا الحديث من جوامع الكلم، اشتمل على أصول عظيمة من قواعد الإسلام.
جمع النبي ﷺ في هذا الحديث أمهات أعمال القلوب والجوارح، فبدأ بالطهارة؛ لأنها مدخل العبادات، وجعلها شطر الإيمان لعظم شأنها. ثم ذكر الذكر الذي يثقل الميزان، وأعمال الجوارح التي تنير الطريق، وختم بمصير الإنسان بين النجاة والهلاك.
وفي الحديث بيان أن الدين ليس طقوسًا مجردة، بل بناء متكامل: طهارة، ذكر، صلاة، صدقة، صبر، قرآن، ثم عمل دائم يحدد المصير.
سبب ورود الحديث ::
قال ابن رجب: كان النبي ﷺ يبين لأصحابه معالم الطريق الجامع بين الظاهر والباطن.
ورد الحديث لتقرير أصول العمل الصالح، وربط العبادات القلبية بالعملية، ولتعليم الصحابة أن النجاة ليست بالأماني، بل بالسير اليومي في طاعة الله، وأن الإنسان في كل صباح يتاجر بنفسه: إما لله أو للهوى.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: الطهارة شرط كمال الإيمان
قال الإمام الشافعي: «لا صلاة إلا بطهور».
الشرح:
جعل النبي ﷺ الطهور شطر الإيمان، مما يدل على أن الطهارة ليست مجرد نظافة، بل عبادة عظيمة، تشمل طهارة الجسد والقلب، ولا تصح الصلاة إلا بها.
الفرع الثاني: فضل الذكر وثقله في الميزان
قال ابن القيم: «الذكر غذاء القلوب».
الشرح:
بيَّن الحديث أن الحمد وسبحان الله تملآن الميزان، وفيه دليل على أن الذكر القليل لفظًا العظيم أجرًا من أعظم القربات.
الفرع الثالث: الصلاة نور لصاحبها
قال الحسن البصري: «الصلاة نور في القلب ونور في الوجه».
الشرح:
وصف الصلاة بالنور يدل على أنها تهدي صاحبها في الدنيا والآخرة، وتمنعه من الفحشاء والمنكر، وتنير طريقه عند الشدائد.
الفرع الرابع: الصدقة دليل صدق الإيمان
قال الفضيل بن عياض: «ما كان لله بقي».
الشرح:
جعل الصدقة برهانًا؛ لأنها دليل عملي على صدق الإيمان، إذ المال محبوب للنفس، وبذله علامة إخلاص.
الفرع الخامس: الصبر منزلة عالية
قال ابن تيمية: «الصبر نصف الإيمان».
الشرح:
وصف الصبر بالضياء لا بالنور؛ لأنه يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وفيه مشقة، لكنه طريق النجاة.
الفرع السادس: القرآن حجة لك أو عليك
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبنا ما شبعت من القرآن».
الشرح:
من عمل بالقرآن كان حجة له، ومن أعرض عنه أو خالفه كان حجة عليه، وهو ميزان النجاة أو الهلاك.
الفرع السابع: الإنسان مسؤول عن مصيره
قال الحسن البصري: «يا ابن آدم إنما أنت أيام».
الشرح:
قوله ﷺ: «كل الناس يغدو» يدل على أن كل إنسان في عمل دائم، إما يحرر نفسه بالطاعة، أو يهلكها بالمعصية.
الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث ::
• الطهارة أساس العبودية.
• الذكر أثقل ما يوضع في الميزان.
• الصلاة نور يهدي صاحبه.
• الصدقة دليل صدق الإيمان.
• الصبر طريق النجاة.
• القرآن ميزان الأعمال.
• الإنسان صانع مصيره اليومي.
• النجاة اختيار لا مصادفة.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---