الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديثان ( 25، 26)


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٢٥

متن الحديث ::
عن أبي سعيدٍ سعدِ بنِ مالكِ بنِ سنانٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قال:
أنَّ ناسًا من الأنصارِ سألوا رسولَ الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عنده، فقال لهم حين أنفق كلَّ شيءٍ بيده:
«ما يكنْ من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم، ومن يستعفف يُعِفَّهُ الله، ومن يستغنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر».
متفقٌ عليه.
ترجمة الراوي ::
هو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري رضي الله عنه، من كبار الصحابة وأعيانهم، شهد الخندق وما بعدها، ولازم النبي ﷺ ملازمةً ظاهرة، وكان من المكثرين من الرواية.
قال ابن عبد البر: كان من علماء الصحابة وفقهائهم.
وقال الذهبي: الإمام الحافظ الفقيه صاحب رسول الله ﷺ.
وقال ابن حجر: من المكثرين رواية، روى عنه خلق كثير.
وأجمع أهل السنة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه.
إسناد البخاري *
عبد الله بن يوسف → مالك بن أنس → محمد بن شهاب الزهري → عطاء بن يزيد الليثي → أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
إسناد مسلم *
يحيى بن يحيى → مالك بن أنس → محمد بن شهاب الزهري → عطاء بن يزيد الليثي → أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد ::
عبد الله بن يوسف التنيسي
قال يحيى بن معين: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
مالك بن أنس
قال الشافعي: إذا صح الحديث عن مالك فهو الحجة.
قال أحمد بن حنبل: إمام دار الهجرة.
قال ابن حجر: إمام فقيه ثقة.
محمد بن شهاب الزهري
قال ابن معين: ثقة.
قال أحمد بن حنبل: من أحفظ الناس.
قال ابن حجر: فقيه حافظ.
عطاء بن يزيد الليثي
قال العجلي: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة.
أبو سعيد الخدري
قال ابن عبد البر: صحابي عدل بإجماع.
قال الذهبي: من كبار الصحابة.
حكم الحديث
حديث صحيح متفق عليه.
شرح المفردات الغريبة ::
نفد: فني وانتهى.
يستعفف: يكف نفسه عن السؤال.
يتصبّر: يتكلف الصبر ويجاهد نفسه عليه.
أوسع: أعظم نفعًا وأشمل أثرًا.
الشرح المفصل للحديث ::
قال الإمام النووي: هذا الحديث أصل عظيم في الاستعفاف والصبر والتوكل.
يبين الحديث كرم النبي ﷺ المطلق، حيث أعطى السائلين حتى انتهى ما عنده، ولم يدخر لنفسه شيئًا من الخير. ثم انتقل من العطاء المادي إلى التربية الإيمانية، فدل الأمة على أسباب العزة الحقيقية، وهي الاستعفاف عن سؤال الناس، والاستغناء بالله، والتصبر على المكاره.
وجعل النبي ﷺ الصبر أعظم العطايا، لأن به تثبت النفس عند البلاء، وتستقيم على الطاعة، وتكف عن المعصية، فهو جامع لكل خير.
سبب ورود الحديث ::
قال ابن رجب الحنبلي: ورد هذا الحديث في تعليم الأمة منهج السؤال والعطاء.
جاء هذا الحديث حين أكثر بعض الأنصار من السؤال، فأعطاهم النبي ﷺ بيده، ثم أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم، وهو بناء النفس على العفة والصبر، حتى لا تتعلق القلوب بالمخلوقين.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: فضل الاستعفاف عن سؤال الناس
قال الإمام أحمد: العفة زينة المؤمن.
الشرح:
دل قوله ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله» على أن العفة سبب لمعونة الله وتوفيقه، وأن من ترك السؤال حفظ الله له دينه وكرامته.
الفرع الثاني: الاستغناء بالله سبب الغنى الحقيقي
قال ابن تيمية: الغنى غنى القلب لا غنى اليد.
الشرح:
الاستغناء لا يعني ترك الأسباب، بل يعني تعلق القلب بالله وحده، فمن استغنى به أغناه الله ولو قل ماله.
الفرع الثالث: عظيم منزلة الصبر
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر.
الشرح:
الصبر أساس كل فضيلة، ولذلك جعله النبي ﷺ أعظم عطاء، لأن به يتحمل المؤمن البلاء، ويثبت على الحق.
الفرع الرابع: الجمع بين العطاء والتوجيه
قال الشافعي: الإعطاء حسن، وترك السؤال أحسن.
الشرح:
في الحديث جواز إعطاء السائل، مع إرشاده إلى ما هو أولى له، وهو التعفف وترك الاعتماد على الناس.
الفرع الخامس: أن الصبر مكتسب بالمجاهدة
قال الحسن البصري: الصبر ينال بالمصابرة.
الشرح:
قوله ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله» يدل على أن الصبر ليس مجرد طبع، بل خلق يكتسب بمجاهدة النفس.
الفرع السادس: كمال خلق النبي ﷺ في السخاء
قال ابن القيم: كان ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
الشرح:
إنفاق النبي ﷺ كل ما عنده دليل على كمال توكله على الله، وتعليمه العملي للأمة.
الدروس  التربوية المستفادة من الحديث ::
• كمال كرم النبي ﷺ وسخائه.
• العفة سبب لعزة النفس.
• الغنى الحقيقي غنى القلب.
• الصبر أعظم ما يعطاه الإنسان.
• تربية النفوس على القيم قبل المال.
• الجمع بين الإحسان والتوجيه.
• الصبر مفتاح لكل خير.

الحديث رقم 26 

متن الحديث ::

عن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال:

قال رسولُ الله ﷺ:

«عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمره كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر فكان خيرًا له».

رواه مسلم.

ترجمة الراوي ::

هو أبو يحيى صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، من كبار الصحابة، أسلم قديمًا بمكة، وعُذِّب في الله عذابًا شديدًا، وهاجر إلى المدينة تاركًا ماله كله في سبيل الله.

قال ابن عبد البر: من السابقين الأولين، مشهور بالفضل والصبر.

وقال الذهبي: الصحابي الجليل، صاحب الهجرتين، ضرب المثل في الصدق والتضحية.

وقال ابن حجر: له مناقب مشهورة، وهو من أفاضل الصحابة.

وأجمع أهل السنة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم.

تخريج الحديث وذكر الإسناد ::

أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق).

إسناد مسلم *

أبو بكر بن أبي شيبة → عفان بن مسلم → حماد بن سلمة → ثابت البناني → عبد الرحمن بن أبي ليلى → صهيب بن سنان رضي الله عنه.

الحكم على رجال الإسناد ::

أبو بكر بن أبي شيبة

قال ابن معين: ثقة.

قال ابن حجر: حافظ ثقة.

عفان بن مسلم الصفار

قال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت.

قال ابن حجر: ثقة حافظ.

حماد بن سلمة

قال ابن معين: ثقة.

قال أحمد: من أثبت الناس في ثابت.

قال ابن حجر: ثقة عابد.

ثابت البناني

قال شعبة: ما رأيت أحدًا أعبد من ثابت.

قال ابن حجر: ثقة عابد.

عبد الرحمن بن أبي ليلى

قال العجلي: ثقة.

قال ابن حجر: ثقة فقيه.

صهيب بن سنان

قال ابن عبد البر: صحابي عدل بإجماع.

قال الذهبي: من كبار الصحابة.

حكم الحديث النهائي 

حديث صحيح.

شرح المفردات ::

عجبًا: تعجب واستحسان لعظيم حاله.

السراء: النعمة والرخاء.

الضراء: الشدة والبلاء.

الشرح المفصل للحديث ::

قال الإمام النووي: هذا الحديث قاعدة عظيمة في الرضا بالقضاء. 

يبين النبي ﷺ أن المؤمن يعيش في خير دائم، لا ينقطع عنه الخير في أي حال من الأحوال، لأن نظره مرتبط بالله لا بالأسباب. فالنعمة تزيده قربًا بالشكر، والمصيبة ترفعه بالصبر.

وهذا المعنى لا يتحقق إلا للمؤمن؛ لأن غيره إن أُعطي بطر، وإن ابتُلي سخط، فكان حاله خسارة في الحالين، أما المؤمن فربحان دائم.

سبب ورود الحديث ::

قال ابن رجب الحنبلي: ورد هذا الحديث لتثبيت قلوب المؤمنين عند تقلب الأحوال.

قاله النبي ﷺ تربيةً للأمة على ميزان الإيمان الصحيح، حتى لا تُقاس السعادة بكثرة المال ولا الشقاء بقلة الأسباب، بل بمقدار الصلة بالله في كل حال.

الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

الفرع الأول: شمول الخير للمؤمن في جميع أحواله

قال الحسن البصري: المؤمن يتقلب في فضل الله.

الشرح:

دل الحديث على أن الخير ملازم للمؤمن في السراء والضراء، ما دام قائمًا بوظيفة الحال من شكر أو صبر.

الفرع الثاني: وجوب شكر النعم

قال ابن القيم: الشكر قيد النعم الموجودة.

الشرح:

في قوله ﷺ: «إن أصابته سراء شكر» دليل على أن الشكر واجب عند حصول النعمة، وأن تركه سبب لزوالها.

الفرع الثالث: فضل الصبر عند البلاء

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العيش الصبر.

الشرح:

الصبر ليس ضعفًا، بل قوة قلب، وبه تتحول المصيبة إلى أجر ورفعة.

الفرع الرابع: اختصاص هذا الفضل بالمؤمن

قال ابن تيمية: الإيمان يغيّر حقائق الأشياء.

الشرح:

قوله ﷺ: «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» يدل على أن الإيمان هو الذي يجعل المصائب منحًا والنعم قربات.

الفرع الخامس: أن الشكر والصبر عبادتان قلبيتان

قال الجنيد: الصبر والشكر جناحا المؤمن.

الشرح:

الشكر عمل القلب قبل اللسان، والصبر ثبات القلب قبل الجوارح، وكلاهما أساس الاستقامة.

الفرع السادس: حسن الظن بالله

قال سفيان الثوري: من أحسن ظنه بربه استراح.

الشرح:

المؤمن يحسن الظن بربه في كل حال، فيطمئن قلبه ولا يجزع عند البلاء.

الدروس المستفادة من الحديث

• المؤمن رابح في كل أحواله.

• الشكر يحفظ النعم ويزيدها.

• الصبر يحول البلاء إلى أجر.

• الإيمان ميزان السعادة الحقيقية.

• السراء والضراء كلاهما طريق إلى الله.

• حسن الظن بالله أساس الطمأنينة.

الكتاب: رياض الصالحين

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)

المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]



   
اقتباس
شارك: