الحديث رقم ٣٩ :
:: متن الحديث ::
وعن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال:
لَمَّا كانَ يَومُ حُنَيْنٍ آثَرَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ناسًا في القِسْمَةِ، فأعطى الأقرعَ بنَ حابسٍ مائةً من الإبلِ، وأعطى عُيَيْنَةَ بنَ حصنٍ مثلَ ذلك، وأعطى ناسًا من أشرافِ العربِ، وآثَرَهُم يومئذٍ في القِسْمَةِ.
فقال رجلٌ: واللهِ إنَّ هذه قِسْمَةٌ ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجهُ الله.
فقلتُ: واللهِ لأُخبرنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فأتيتُه فأخبرتُه بما قال، فتغيَّر وجهُه حتى كان كالصِّرْفِ، ثم قال:
«فمَنْ يَعْدِلُ إذا لم يَعْدِلِ اللهُ ورسولُه؟»
ثم قال: «يرحمُ اللهُ موسى، قد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فصبر».
فقلتُ: لا جرمَ لا أرفعُ إليه بعدها حديثًا.
متفقٌ عليه.
:: ترجمة الراوي ::
عبدُ اللهِ بنُ مسعودِ بنِ غافلٍ بنِ حبيبٍ الهُذلي، أبو عبد الرحمن.
من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم قديمًا بمكة.
كان راعيًا للغنم قبل الإسلام، فرفعه الله بالعلم والإيمان.
لازم النبي ﷺ ملازمةً تامة، حتى عُدَّ من خاصته.
شهد بدرًا والمشاهد كلها.
كان من أفقه الصحابة وأعلمهم بالقرآن والسنن.
قال فيه عمر رضي الله عنه: كِنْزٌ من كنوز العلم.
تتلمذ عليه كبار التابعين بالكوفة.
وليَ القضاء والتعليم في خلافة عمر.
توفي سنة 32 هـ، ودُفن بالبقيع، رضي الله عنه.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة حنين.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم.
:: إسناد الحديث (إسناد البخاري) ::
قال الإمام البخاري رحمه الله:
حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ العبسي،
قال: حدثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضبي،
عن الأعمشِ سليمانَ بنِ مهران،
عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ الهمداني،
عن مسروقِ بنِ الأجدعِ الهمداني،
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه.
:: الحكم على رجال الإسناد ::
١. عثمان بن أبي شيبة العبسي
قال يحيى بن معين: ثقة حافظ.
قال أحمد بن حنبل: من أوعية العلم.
قال أبو حاتم: صدوق إمام.
قال النسائي: ثقة مأمون.
قال ابن حجر: ثقة حافظ.
٢. جرير بن عبد الحميد الضبي
قال أحمد: ثقة في الأعمش.
قال ابن معين: ثقة.
قال العجلي: ثقة ثبت.
قال أبو زرعة: صالح الحديث.
قال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب.
٣. الأعمش سليمان بن مهران
قال شعبة: ما رأيت أحفظ منه.
قال أحمد: ثبت في الحديث.
قال ابن معين: ثقة.
قال الذهبي: الإمام الحافظ.
قال ابن حجر: ثقة حافظ.
٤. عبد الله بن مُرَّة الهمداني
قال ابن معين: ثقة.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
قال العجلي: تابعي ثقة.
قال النسائي: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة.
٥. مسروق بن الأجدع
قال الشعبي: من أفقه الناس.
قال ابن سعد: ثقة مأمون.
قال ابن معين: ثقة.
قال الذهبي: الإمام القدوة.
قال ابن حجر: ثقة فقيه عابد.
٦. عبد الله بن مسعود **
صحابي جليل، عدلٌ بإجماع أهل السنة.
:: الشرح المفصل للحديث ::
يبين هذا الحديث موقفًا دقيقًا من مواقف السيرة، يظهر فيه كمال حكمة النبي ﷺ وعدله.
كان يوم حنين يوم ابتلاء بعد نصر، وكثرت فيه الغنائم.
راعى النبي ﷺ حال الداخلين حديثًا في الإسلام.
فقدّم مصلحة تثبيت العقيدة على المساواة الشكلية في العطاء.
الاعتراض الذي صدر كان ناتجًا عن الجهل بمقاصد الشريعة.
غضب النبي ﷺ لأن الاعتراض طعن في عدل الوحي.
قوله «فمن يعدل…» قاعدة عظيمة في وجوب التسليم للشرع.
تشبيهه حاله بحال موسى عليه السلام تسليةٌ وبيان لسنة الابتلاء.
فيه تعليم للأمة أن الحق لا يُقاس بالأهواء.
كما فيه تحذير من إطلاق الأحكام بغير علم.
:: سبب ورود الحديث ::
وقع بعد غزوة حنين عند تقسيم الغنائم.
كان بعض الناس حديثي عهد بالإسلام.
فأراد النبي ﷺ تأليف قلوبهم.
فصدر اعتراض جاهل، فبيّن النبي ﷺ الحق.
:: معاني الكلمات الغريبة ::
الصِّرْف: شدة الحمرة.
آثَرهم: فضّلهم.
لا جرم: حقًا ولا بد.
القسمة: توزيع الغنائم.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم
قال النووي: إعطاؤهم ثابت بالسنة والإجماع.
الشرح: الإمام ينظر إلى مصلحة الدين لا إلى الظاهر فقط.
الفرع الثاني: أن العدل الشرعي قد يختلف عن التصور العقلي
قال ابن تيمية: العدل ما عدله الشرع لا العقول.
الشرح: ما ظنه الرجل ظلمًا كان عين العدل.
الفرع الثالث: تحريم سوء الظن بأهل الولاية الشرعية
قال القرافي: سوء الظن بالإمام أصل الفتن.
الشرح: الاعتراض يولد الشقاق.
الفرع الرابع: وجوب التسليم لأحكام النبي ﷺ
قال ابن القيم: من لم يسلم للوحي ضل.
الشرح: التسليم أصل الإيمان.
الفرع الخامس: جواز الغضب إذا انتهكت حرمات الله
قال ابن حجر: الغضب للحق محمود.
الشرح: غضب النبي ﷺ هنا عبادة.
الفرع السادس: الصبر على أذى الناس في الدعوة
قال الطبري: الأذى سنة في طريق الحق.
الشرح: الأنبياء أكثر الناس بلاء.
الفرع السابع: فقه الموازنات في السياسة الشرعية
قال الشاطبي: المصالح تُرجّح عند التعارض.
الشرح: قدّم مصلحة الدين العامة.
الفرع الثامن: خطر الكلام بغير علم
قال مالك: من تكلم بغير علم أفسد.
الشرح: كلمة واحدة كادت تفسد القلوب.
:: الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث ::
• التسليم للوحي واجب.
• الحكمة مقدَّمة على العاطفة.
• سوء الظن أصل الفتن.
• الصبر خلق الأنبياء.
• العدل الحقيقي هو الشرعي.
• فقه المقاصد ضرورة.
• ضبط اللسان عبادة.
• احترام القيادة الشرعية.
• العلم قبل الحكم.
• الاقتداء بالأنبياء في الصبر.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]