الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( ٤١ )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

الحديث رقم ٤١ :

:: متن الحديث ::

وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان ابنٌ لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقُبِض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «أعَرَّسْتُمُ الليلة؟» قال: نعم. قال: «اللهم بارك لهما». فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، فقال: «أمعه شيء؟» قال: نعم تمرات. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. متفق عليه.

وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود.

وفي رواية لمسلم: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاءً فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تتصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله في ليلتكما». قال: فحملت. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى، تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلامًا، فقالت لي أمي: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث.

:: ترجمة الراوي ::

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا حمزة، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدم النبي عشر سنين متتابعة، فكان أقرب الناس اطلاعًا على أحواله الخاصة والعامة، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بطول العمر وكثرة المال والولد والبركة، فاستجيب له دعاؤه فكان من أكثر الصحابة نسلًا، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي حديث، وأخذ عنه كبار التابعين، وكان مرجع أهل البصرة في الحديث، مشهورًا بالحفظ والإتقان، متثبتًا في الرواية، حسن السمت، كريم الخلق، عاش حتى أدرك أجيالًا من التابعين، وتوفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة على الراجح.

:: تخريج الحديث ::

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز وكتاب الأدب وكتاب النكاح، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، من طرق صحيحة متعددة عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو حديث متفق عليه، ثابت الإسناد، صحيح المتن، تلقته الأمة بالقبول، وتعددت ألفاظه لاختلاف مجالس التحديث مع اتحاد القصة.

:: تحقيق رجال الإسناد ::

١. أنس بن مالك * *

قال ابن حجر: صحابي مشهور من كبار الحفاظ

قال الذهبي: الإمام القدوة خادم رسول الله

قال أحمد بن حنبل: من أوثق الناس

قال النسائي: ثقة مأمون

٢. ثابت البناني * قال ابن حجر: ثقة عابد

قال الذهبي: الإمام الزاهد

قال يحيى بن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت

قال النسائي: ثقة

٣. حماد بن سلمة * قال ابن حجر: ثقة عابد

قال الذهبي: الحافظ

قال يحيى بن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: أثبت الناس في ثابت

قال النسائي: ثقة

٤. محمد بن سيرين * قال ابن حجر: ثقة ثبت

قال الذهبي: الإمام العلم

قال يحيى بن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: من أثبت الناس

قال النسائي: ثقة

٥. عبد الله بن عون * قال ابن حجر: ثقة ثبت

قال الذهبي: الإمام الثبت

قال يحيى بن معين: ثقة

قال أحمد بن حنبل: ثقة مأمون

قال النسائي: ثقة

:: معاني الكلمات الغريبة ::

قُبِض الصبي أي مات

أعَرَّسْتُم أي جامعتم ليلًا

التحنيك دلك فم المولود بالتمر

:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

١. وجوب الصبر على البلاء *

قال النووي: الصبر واجب، وشرحه أن الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن ما ينافي الرضا، وهو أصل عظيم في باب الإيمان.

الشرح: يدل هذا الحديث دلالة عملية واضحة على وجوب الصبر عند نزول المصائب، إذ لم يظهر من أم سليم رضي الله عنها جزع ولا اعتراض، بل تعاملت مع المصيبة تعاملاً إيمانيًا راقيًا، فكان فعلها تطبيقًا عمليًا لكلام النووي. ويؤخذ من ذلك أن الصبر ليس مجرد كف اللسان، بل هو سلوك متكامل يشمل القلب والجوارح. كما يظهر أن الصبر سبب مباشر لنزول البركة والفضل من الله تعالى.

٢. فضل الرضا بالقضاء *

قال ابن القيم: الرضا باب الله الأعظم، وشرحه أن الرضا يثمر سكينة القلب، ويخفف ألم المصيبة، ويجعل البلاء نعمة في حق العبد.

الشرح: يتجلى الرضا في تصرف أم سليم حين قابلت القضاء بهدوء وتسليم، فلم تعترض ولم تسخط، بل هيأت نفسها وزوجها لتقبل الأمر. وهذا الرضا لم يكن سلبيًا، بل كان باعثًا على حسن التصرف وحسن المعاشرة. وفي هذا بيان أن الرضا لا يلغي الحزن الطبيعي، لكنه يمنع التمرد والاعتراض، ويحول المصيبة إلى باب أجر.

٣. أن المصائب كفارات للذنوب *

قال ابن حجر: المصائب مكفرات، وشرحه أن كل ما يصيب المؤمن من أذى يكون سببًا في محو الخطايا ورفع الدرجات.

الشرح: موت الولد من أعظم المصائب، ومع ذلك جعله الله سببًا لرفع الدرجات ومضاعفة الأجر لأبي طلحة وأم سليم. ويُفهم من الحديث أن المصيبة إذا قوبلت بالصبر والاحتساب تحولت من عقوبة إلى نعمة. وهذا يرسخ في نفس المؤمن حسن الظن بالله عند نزول البلاء.

٤. تحريم السخط على أقدار الله *

قال القرطبي: السخط ينافي كمال الإيمان، وشرحه أن الاعتراض على القدر اعتراض على حكمة الله وعدله.

الشرح: لم يظهر في الحديث أي صورة من صور السخط، بل كان الغضب الوحيد من أبي طلحة إنما هو من أسلوب الإخبار لا من قضاء الله. وهذا يدل على أن الصحابة كانوا يفرقون بين الألم الطبيعي وبين الاعتراض المحرم. ويؤخذ منه أن ضبط النفس عند المصيبة من دلائل صحة الإيمان.

٥. أن البلاء علامة محبة لا سخط *

قال ابن تيمية: الابتلاء للمؤمن تزكية، وشرحه أن الله يبتلي عباده المؤمنين ليزكي نفوسهم ويقربهم منه.

الشرح: عقب البلاء مباشرة جاء الدعاء النبوي بالبركة، ثم تحقق أثره واقعًا في الذرية الصالحة، مما يدل على أن البلاء لم يكن سخطًا بل محبة واصطفاء. وفي هذا تصحيح لمفهوم كثير من الناس الذين يربطون النعمة بالرضا والبلاء بالسخط. فالميزان الحقيقي هو العاقبة.

٦. أن الإمهال قد يكون استدراجًا *

قال الشاطبي: دوام النعمة مع المعصية ليس كرامة، وشرحه أن تأخير العقوبة قد يكون زيادة في الإثم لا دلالة رضا.

الشرح: يفهم من مقابلة هذا الحديث بأحوال غير المؤمنين أن السلامة من البلاء ليست دائمًا خيرًا، كما أن البلاء ليس شرًا مطلقًا. فالحديث يربي المسلم على النظر إلى المآلات لا الظواهر، وعلى وزن الأحوال بميزان الإيمان لا بميزان العافية الظاهرة.

:: الدروس المستفادة ::

  1. الصبر سبب البركة. 
  2. الرضا بالقضاء من أعظم مقامات الإيمان. 
  3. المصائب قد تكون باب رفعة لا هلاك. 
  4. حسن التصرف عند الشدائد. 
  5. أثر الدعاء الصادق. 
  6. فضل التربية الإيمانية بالقدوة. 
  7. حسن الظن بالله عند الابتلاء. 
  8. أن العاقبة هي المعيار الحقيقي. 


   
اقتباس
وسوم الموضوع
شارك: