الحديث رقم ٤٢ :
:: متن الحديث ::
٤٥ - وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» متفقٌ عليه.
:: ترجمة الراوي ::
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم رواية للحديث، أسلم عام خيبر ولازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، فكان من أحرص الصحابة على حفظ سنته وضبط ألفاظه، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ فاستجاب الله له، فصار أحفظ الصحابة على الإطلاق، روى عنه جمع كبير من الصحابة والتابعين، كان معروفًا بالزهد والعبادة وكثرة الذكر، تولى إمارة البحرين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان شديد التحري في الرواية، واسع العلم بالحديث والفقه، توفي سنة سبع وخمسين للهجرة على الراجح.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب وكتاب المناقب، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، من طرق متعددة صحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث متفق عليه، ثابت الإسناد، صحيح المتن، تلقته الأمة بالقبول، واشتهر بين أهل العلم لكثرة الاستدلال به في باب الأخلاق وضبط النفس.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. أبو هريرة **
قال ابن حجر: حافظ الصحابة وأكثرهم رواية
قال الذهبي: الإمام الحافظ
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: من أحفظ أصحاب النبي
قال النسائي: ثقة مأمون
٢. سعيد بن المسيب *
قال ابن حجر: ثقة فقيه إمام
قال الذهبي: سيد التابعين
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: من أثبت الناس
قال النسائي: ثقة
٣. الزهري محمد بن شهاب *
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: الإمام الحافظ
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: من أئمة المسلمين
قال النسائي: ثقة
٤. مالك بن أنس *
قال ابن حجر: إمام دار الهجرة
قال الذهبي: الحجة
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: لا يُسأل عن مثله
قال النسائي: ثقة ثبت
٥. سفيان بن عيينة *
قال ابن حجر: ثقة حافظ
قال الذهبي: الإمام الحافظ
قال يحيى بن معين: ثقة
قال أحمد بن حنبل: من أئمة الحديث
قال النسائي: ثقة
:: معاني الكلمات الغريبة ::
الشديد المراد به القوي حقيقة
الصُّرَعَة الذي يغلب الناس بقوته
يملك نفسه أي يضبطها ويمنعها من الانفلات
:: الشرح المفصل للحديث ::
يبين هذا الحديث مقياسًا نبويًا دقيقًا لمفهوم القوة الحقيقية، حيث نفى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون الشدة في مجرد القوة البدنية أو القدرة على إسقاط الخصوم في المصارعة، وأثبت أن الشدة الحقيقية هي شدة النفس وقدرتها على ضبط الغضب وكبح جماحه. وفي هذا تصحيح جذري لمفاهيم الجاهلية التي كانت ترى القوة في البطش والانتقام، فجاء الإسلام ليجعل معيار القوة أخلاقيًا نفسيًا لا جسديًا. ويظهر في الحديث أن الغضب حالة طبيعية في الإنسان، لكن الممدوح هو من يملك نفسه عند هيجان هذه الحالة، فلا ينطق إلا بحق، ولا يفعل إلا بعدل. كما يدل الحديث على أن ضبط النفس يحتاج إلى مجاهدة وتربية إيمانية، وأنه من أعلى مراتب الأخلاق، وأن المجتمع لا يصلح إلا إذا كان أفراده قادرين على التحكم في انفعالاتهم. ويُفهم منه أيضًا أن كظم الغيظ سبب للرفعة عند الله، وأن القوة الحقيقية هي التي تمنع الظلم لا التي توقعه.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب كف النفس عند الغضب *
قال النووي: الغضب أصل لكثير من الشرور، وكفه واجب إذا أدى إلى محرم.
الشرح: يدل الحديث دلالة صريحة على أن ترك النفس تنفلت عند الغضب ليس من الشدة المحمودة، بل هو ضعف حقيقي، وأن الواجب على المسلم أن يمنع نفسه من القول والفعل المحرم عند الغضب. ويؤخذ منه أن ضبط الغضب عبادة قلبية عظيمة تحتاج إلى مجاهدة مستمرة.
٢. فضل الحلم وضبط النفس *
قال ابن حجر: الحلم سيد الأخلاق، وهو ثمرة كمال العقل والدين.
الشرح: يظهر من الحديث أن الحلم ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة، لأن الإنسان حين يحلم مع القدرة يكون قد غلب نفسه لا غيره. وهذا الخلق سبب لمحبة الناس واحترامهم، وسبب لعلو المنزلة عند الله تعالى.
٣. تحريم الظلم حال الغضب *
قال القرطبي: الغضب إذا أدى إلى الظلم صار حرامًا بالإجماع.
الشرح: الغضب قد يدفع الإنسان إلى الاعتداء في القول أو الفعل، فجاء هذا الحديث ليضع حدًا واضحًا، وهو أن القوة ليست في البطش، بل في منع النفس من الوقوع في الظلم، سواء كان ظلمًا للغير أو للنفس.
٤. أن القوة الحقيقية معنوية لا جسدية *
قال ابن تيمية: القوة المحمودة هي قوة القلب على طاعة الله.
الشرح: يقرر الحديث ميزانًا شرعيًا للقوة، يخالف الميزان الدنيوي، فالقوة ليست في الجسد ولا في الغلبة، بل في قوة الإيمان وضبط النفس. وهذا يعيد تشكيل نظرة المسلم لنفسه وللآخرين.
٥. أن الأخلاق من صميم الإيمان *
قال الشاطبي: مقاصد الشريعة راجعة إلى تزكية النفوس.
الشرح: الحديث يدل على أن تهذيب الأخلاق مقصد شرعي أصيل، وأن ضبط الغضب ليس أمرًا ثانويًا، بل هو من صلب بناء الإيمان والسلوك، وبه تستقيم حياة الفرد والمجتمع.
:: الدروس المستفادة ::
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]