الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 11 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

متن الحديث

 
عن أبي بَكْرَة نُفَيْعِ بنِ الحارِثِ الثَّقَفِي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:  
«إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».  
قُلتُ: يا رسولَ الله، هذا القاتِلُ، فما بالُ المَقْتُولِ؟  
قال: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».  
متفق عليه.
 
---
 
ترجمة الراوي
 
أبو بَكْرَة نُفَيْعُ بنُ الحارِثِ بنِ كَلَدَةَ الثَّقَفِي رضي الله عنه:
 
- نسبه: نُفَيْع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى الثقفي، يكنى أبا بكرة. من قبيلة ثقيف بالطائف.  
- إسلامه وقصته:  
  - كان مولى لثقيف، وقيل كان عبداً لثور بن معاوية، وشُهرته بأبي بكرة لأنه تدلّى من حصن الطائف ببُكرة (حبلٍ في دلو) يوم حاصر النبي ﷺ الطائف، فخرج إلى المسلمين، فلقّب بأبي بكرة بسبب هذه الحادثة.  
  - أسلم في آخر حياة النبي ﷺ، ويُعد من مسلمة الفتح ومن أهل الطائف الذين أسلموا بعد حصارها.  
- منزلته في الرواية والفقه:  
  - من رواة الحديث المعروفين، روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث في أبواب: الفتن، والحدود، والقضاء، وغيرها.  
  - روى عنه من كبار التابعين: الحسن البصري، والحسن بن علي الهذلي، وأبو وائل، وغيرهم.  
- موقفه في الفتن:  
  - كان من أشدّ الناس في الإنكار على الاشتراك في الفتن والاقتتال بين المسلمين، وقد ثبت عنه أنه أنكر على من أراد الخروج في الفتنة، واحتج بهذا الحديث نفسه، كما في روايات البخاري ومسلم: أنه قال لمن أراد أن ينصر رجلاً في الفتنة: «ارجع، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما…"».  
- وفاته:  
  - سكن البصرة، وتوفي بها في خلافة معاوية أو بعد ذلك بقليل، وقيل: سنة 51 هـ تقريباً، وقيل بعدها بقليل.  
 
ترجمته مبسوطة في كتب التراجم: تهذيب الكمال للمزي، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة لابن حجر.
 
---
 
تخريج الحديث ومن صححه أو ضعفه من المتقدمين
 
- أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، رقم 31، ومواضع أخرى).  
- وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم 2888) بلفظ:  
  «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ…».  
- وأخرجه كذلك:  
  - أبو داود في سننه.  
  - النسائي في السنن الكبرى (4121).  
  - ابن حبان في صحيحه (2459).  
 
حكم الحديث:
 
- الحديث صحيح متفق عليه، وقد اتفق الأئمة على قبوله، وهو في أعلى درجات الصحة لوروده في الصحيحين.  
- نصّ المحدثون في كتبهم على صحته؛ فقد حكم عليه مسلم بالصحة بإدخاله في صحيحه، وكذلك البخاري، ونقله السيوطي في الجامع الصغير مع الحكم عليه بالصحة.  
 
تراجم الإسناد 
نذكر هنا أحد أسانيد مسلم كما في بعض رواياته المختصرة، ثم تراجم الرجال إجمالاً، مع بيان حالهم:
 
> عبد الله بن مسلمة القعنبي → مالك بن أنس → أبو الزناد عبد الله بن ذكوان → الأعرج عبد الرحمن بن هرمز → أبو بكرة نفيع بن الحارث
 
(1) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي
 
- من كبار رواة موطأ مالك، وهو من أوثق الناس في روايته.  
- قال أحمد بن حنبل: ثقة.  
- وقال ابن معين: ثقة.  
- وقال النسائي: ثقة.  
- روى له أصحاب الكتب الستة.  
الحكم: ثقة ثبت.
 
(2) الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي
 
- إمام دار الهجرة، فقيه المدينة، أحد الأئمة الأربعة.  
- اتفق العلماء على إمامته وعدالته وضبطه.  
- قال الشافعي: «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم».  
الحكم: إمام ثقة حجة.
 
(3) أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني
 
- من كبار التابعين، روى عن جماعة من الصحابة كأنس وسهل بن سعد وغيرهما.  
- قال أحمد: ثقة.  
- قال ابن معين: ثقة.  
- قال النسائي: ثقة.  
- روى له الستة.  
الحكم: ثقة.
 
(4) الأعرج عبد الرحمن بن هرمز
 
- من كبار التابعين بالمدينة، مشهور بكنيته (الأعرج)، وكان من أوعية العلم.  
- قال ابن معين: ثقة.  
- قال العجلي: ثقة.  
- قال النسائي: ثقة.  
- روى له أصحاب الكتب الستة.  
الحكم: ثقة ثبت.
 
(5) أبو بكرة نُفَيْع بن الحارث الثقفي
 
- صحابي، والقاعدة أن الصحابة كلهم عدول.  
الحكم: عدل صحابي.
 
خلاصة الإسناد:  
إسناد صحيح متصل، رجاله كلهم ثقات، والحديث ثابت بلا إشكال.
 
---
 
معاني الكلمات الغريبة
 
1) «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا»
 
- أي: إذا تواجه مسلمان كل واحد منهما قد شهر سيفه على الآخر يريد قتله، فالتقاء السيفين كناية عن حصول القتال الحقيقي بينهما بحيث يقصد كل منهما قتل صاحبه.  
- فيدخل في المعنى: كل وسيلة قتل، لكن التعبير بالسيف لأنه آلة القتال المعروفة في ذلك الزمن.
 
2) «فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»
 
- أي: مستحقان لدخول النار؛ عقوبةً على جريمة استباحة دم المسلم ومجرد عزم كل منهما على قتل أخيه.  
- ليس المراد نفي إمكانية المغفرة، بل بيان عِظَم الجريمة وشدة الوعيد، كما قرره الشراح في باب الوعيد والوعظ.
 
3) «مَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟»
 
- «ما بال»: أي: ما شأنه؟ وما أمره الذي استحق به دخول النار مع أنه لم يقتل بالفعل؟  
- هذا سؤال استشكال: إذ الظاهر أن القاتل قد باشر الجريمة، أما المقتول فلم يباشر القتل.
 
4) «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»
 
- «حريصاً»: أي كان ذا رغبة شديدة وعزم صادق وإرادة جازمة على قتل صاحبه، فالذي منعه من تنفيذ نيته أنه سُبق فقتل قبل أن يقتل.  
- «صاحبه»: أي أخوه المسلم الذي يقابله في القتال، فهما في الأصل إخوان في الإسلام، لكن حملهما الشيطان والهوى على أن يكون كل منهما يريد قتل الآخر.  
 
---
 
شرح موجز مفصل للحديث
 
هذا الحديث من أعظم ما ورد في التحذير من الفتن والاقتتال بين المسلمين، ومن أوضح النصوص في بيان خطورة سفك الدماء بغير حق.
 
- يخبر النبي ﷺ أنه إذا حصل اقتتال بين مسلمين، وكل منهما يريد قتل الآخر، ويستعمل السلاح فعلاً، فإن كلاً منهما داخل تحت هذا الوعيد الشديد: «القاتل والمقتول في النار».  
- الصحابي استشكل: القاتل معلوم استحقاقه للعذاب لأنه فعل القتل، لكن المقتول لم يباشر القتل، بل هو المقتول! فكيف يستحق النار؟  
- فجاء الجواب النبوي بقاعدة عظيمة:  
  > «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»  
 
أي أن النية والعزم الجازم على القتل، مع مباشرة أسباب المعصية (حمل السلاح ومواجهة أخيه)، جعلته مستحقاً للعقوبة، وإن لم يتحقق قتلُه هو للآخر؛ لأنه لو تمكن لقتل. فمنعه العجز لا صلاح النية.
 
الحديث إذن:
 
- يبين أن النية الفاسدة في القلب إذا اقترنت بالسعي والعمل تؤخذ بها النفس، حتى لو لم تتم الجريمة كما قصد صاحبها.  
- يجعل المسلم يحذر غاية الحذر من أن يحمل في قلبه نية قتل مسلم، أو السعي في ذلك، أو الدخول في فتن السيف.  
- يقرر أن الاقتتال بين المسلمين كبيرة عظيمة تجرّ على أصحابها الوعيد الشديد، ولو كان أحدهما مقتولاً.  
 
وقد ذكر أهل العلم أن هذا الحديث يجمع بين:
 
- بيان عِظَم إثم القتل.  
- وبيان عِظَم أثر النية في ترتب الوعيد حتى على من لم يدرك مقصوده من المعصية.  
 
---
 
سبب ورود الحديث 
 
ورد الحديث في بعض الروايات مقروناً بقصة لأبي بكرة رضي الله عنه، حيث قال:  
إنه في زمن الفتنة (كفتنة ابن الزبير أو غيرها) رأى رجلاً يريد أن يخرج لنصرة أحد الأطراف، فقال له أبو بكرة: «أين تريد؟» قال: لأنصر هذا الرجل. فقال له أبو بكرة: «ارجع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار…"».
 
فيظهر من هذه الرواية أن:
 
- الصحابة فهموا هذا الحديث في سياق الفتن والاقتتال بين المسلمين، وأنه وعيد لمن يدخل فيها بدون حق شرعي.  
- وأن أبا بكرة كان يحتجّ بالحديث على من أراد الدخول في الفتنة، فيأمره بالرجوع والاعتزال.  
 
أما من جهة السبب الأول لورود الحديث من فم النبي ﷺ، فهو ما رواه أبو بكرة نفسه: أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا الحديث ابتداءً، ثم سأل الصحابة عن المقتول، فأجابهم ﷺ بالبيان، كما في لفظ مسلم والبخاري.  
 
فالحديث جاء أصلاً في مقام التحذير العام من الاقتتال بين المسلمين، ثم استُخدم بعد ذلك في وقائع الفتن كدليل على وجوب الحذر من المشاركة فيها.
 
---
 
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث
1) تحريم اقتتال المسلمين وأنه من كبائر الذنوب
 
اتفق الفقهاء على أن قتال المسلم لأخيه المسلم بغير حق من كبائر الذنوب، وأنه داخل في الوعيد الشديد المذكور في القرآن:  
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ...) النساء: 93.  
 
ويستدلون بهذا الحديث على أن مجرد الدخول في قتال بين مسلمين، يريد كلٌ منهما قتل الآخر، كبيرة عظيمة تجعل القاتل والمقتول مستحقين للنار، وهذا يدل على أن أصل فعلهم محرم تحريماً مغلظاً.  
 
---
 
2) أن الإثم في القتل يتعلق بالقصد والنية مع مباشرة أسبابه
 
هذا الحديث أصل في تقرير أن العزم الجازم على القتل، إذا اقترن بالفعل (حمل السلاح، مواجهة الخصم)، موجب للإثم، حتى لو لم يتحقق القتل فعلاً؛ فالمقتول استحق الوعيد لا لكونه قُتل، بل لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه لو قدر عليه.  
 
اتفق الفقهاء على أن:
 
- من نوى قتل مسلم وعزم عليه وسعى في أسبابه، فهو آثم، حتى لو لم ينجح في التنفيذ.  
- وأن هذا الحديث حجة على من يقول: لا يُؤاخذ الإنسان بمجرد نية المعصية؛ لأن هذه نية مقترنة بمباشرة أسبابها، وليست مجرد خاطر بالقلب.  
 
---
 
3) أن المقتتلين المسلمَين إذا كان كل منهما ظالماً فهما شريكان في الإثم
 
من دلالة الحديث أن الطرفين في الاقتتال – إذا كان كل منهما يريد قتل الآخر بغير حق – شريكان في الإثم، وإن اختلفت صورتهما:  
- هذا قاتل فعلي.  
- وهذا مقتول لكنه كان يريد أن يكون قاتلاً لو قُدّر له ذلك.  
 
فيقرّر الفقهاء في باب الفتن والقتال أن:  
- من قاتل مسلماً بغير حق فهو ظالم باغٍ، سواء قَتل أو قُتل، لقوله ﷺ: «القاتل والمقتول في النار»، وعلّل للمقتول بأن نيته موافقة لنية القاتل.  
 
---
 
4) أن من قُتل في قتال بغي وعدوان لا يكون شهيداً في الآخرة
 
من خلال هذا الحديث وغيره، قرر أهل العلم أن الشهيد في الآخرة هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، أو قُتل ظلماً وهو مظلوم، لا من قاتل بغياً وعدواناً أو حمية أو عصبية.  
 
وعليه:
 
- من قُتل في قتال بين مسلمين، وكل منهم باغٍ على الآخر، يريد قتله لأجل الدنيا أو العصبية، لا ينال أجر الشهداء، بل يكون داخلاً في هذا الوعيد، إلا أن يتفضل الله عليه بمغفرة.  
- هذا مبني على كون القتال بغير حق، كما هو ظاهر الحديث؛ لأنه قيد الأمر بكونهما «مسلمين» يتقاتلان ظلماً، وكل منهما حريص على قتل صاحبه.  
 
---
 
5) أن الوعيد في الحديث محمول على من قاتل بغير تأويل ولا شبهة
 
بيّن أهل العلم أن هذا الوعيد إنما يكون في حق من قاتل بغير تأويل معتبر ولا شبهة ولا حق، وإنما قاتل هوىً وعدواناً.  
 
أما من قاتل بتأويل، أو في صفّ الإمام العادل ضد البغاة، أو في قتال مشروع لدفع العدوان، فليس داخلاً في هذا الوعيد؛ لأن الله أمر بقتال الفئة الباغية في قوله تعالى:  
(فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ).  
 
فأهل العلم يفرّقون بين:
 
- قتال الفتنة والهوى: وهذا الذي يدل عليه الحديث، ويستحق أصحابه الوعيد.  
- قتال البغاة أو دفع العدوان بإذن الإمام: وهذا مشروع، بل واجب في بعض الأحوال، ولا يدخل أصحابه في هذا الوعيد.  
 
---
 
6) حكم مشاركة المسلم في الفتن المسلحة بين المسلمين
 
استنبط الفقهاء من هذا الحديث أن الأصل في المسلم عند وقوع الفتنة بين المسلمين أن يجتهد في اعتزال القتال، وألا يُشارك في سفك الدماء بغير حق، وأن من دخل فيها بغير حق فهو متوعَّد بهذا الوعيد الشديد.  
 
ولذلك:
 
- جاء في عمل الصحابة كأبي بكرة وغيره: أنهم كانوا يمسكون عن الفتن، وينهون الناس عن الدخول فيها محتجين بهذا الحديث.  
- قال أهل العلم في شرح الحديث: إن من أعظم الفقه في الدين ألا يدخل الإنسان في قتال فتنة، لا يتبين وجه الحق فيه، حتى لا يكون شريكاً في دم مسلم.  
 
---
 
7) أن القتل بغير حق من أعظم الكبائر وأشدها وعيداً
 
يُستدل بهذا الحديث مع الآية الكريمة في سورة النساء وغيرها على أن القتل العمد بغير حق من أكبر الكبائر، وأن الوعيد فيه شديد جداً، يصل إلى حدّ:  
- التهديد بالنار للقاتل،  
- والتهديد بالنار للمقتول إذا شارك بقصده وعزمه في هذه الجريمة.  
 
فهذا الحديث يزيد إيضاحاً لخطورة جريمة القتل، وأنها لا تقتصر على من باشر القتل، بل تشمل من كان شريكاً في النية والعمل ولو لم يتحقق له القتل فعلاً.
 
---
 
8 أثر الحديث في باب «من قاتل دون نفسه أو ماله أو عرضه»
 
فرّق الفقهاء بين:
 
- من يقاتل بغيًا وعدوانًا، وهو داخل في الحديث.  
- ومن يدفع عن نفسه أو ماله أو أهله وعرضه، فهذا داخل في أحاديث أخرى: «من قُتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد…».  
 
فهذا الحديث لا ينفي مشروعية الدفاع عن النفس والمال والعرض، وإنما يتعلّق بمن يتقابلان ظالمين باغيين، كل يريد قتل صاحبه بدون حق شرعي.  
 
---
 
9) أن مجرد حمل السلاح على المسلم بغير حق أمرٌ خطير
 
من مفهوم الحديث:
 
- أن مجرد التقاء المسلَمين بسيفيهما قاصدين القتل، كافٍ في ترتب هذا الوعيد، وإن لم يذكر أنهما قد قتلا، فعبّر بالحالة التي هي مبدأ الجريمة، وهذا يدل على خطورة إشهار السلاح في وجه المسلم بغير حق.  
 
وقد جاءت أحاديث أخرى تؤكد هذا المعنى:  
- «من حمل علينا السلاح فليس منا».  
- وهذا الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما…»، يؤكد أن الدخول في هذا الباب من أعظم المهالك.
 
---
 
الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث
 
1. تعظيم حرمة دم المسلم:  
   الدماء في الإسلام عظيمة الحرمة، وهذا الحديث يجعل المسلم يوقن أن مجرد الدخول في قتال مع مسلم جريمة تهدد صاحبه بالنار، فلا يستهين بسفك الدم، ولا يجعل الغضب أو العصبية أو الحزبية سبباً لرفع السلاح على أخيه.
 
2. خطر نية الشر حتى لو لم يتحقق الفعل:  
   المقتول لم يقتل، ومع ذلك استحق الوعيد لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه؛ فالمؤمن يتربى على تطهير قلبه من نيات الشر والعدوان، وأن يكره في قلبه ظلم إخوانه، لا أن يتمنى لو تمكن من قتلهم، فتمنّيه وعزمه يجعلانه شريكاً في الإثم.
 
3. الحذر من الفتن والاقتتال الداخلي:  
   استدلال أبي بكرة بالحديث على منع الرجل من الدخول في الفتنة يعلّمنا أن المؤمن يتوقّى الفتن، ولا يتهاون بالدخول في صراعات المسلمين، بل يحرص على الإصلاح ما استطاع، ويبتعد عن ميادين الدماء إذا كانت بغير حق واضح.
 
4. تعظيم شأن الأخوة الإيمانية:  
   عبّر النبي ﷺ بـ «المسلمَين»، ليذكّر أن المتقاتلين في الأصل إخوة يجمعهم الإسلام، ومع ذلك بلغ بهم الأمر أن يريد كل منهم قتل الآخر، فصاروا تحت هذا الوعيد، وهذا يبين أن تفكك رابطة الأخوة الإيمانية من أخطر ما يكون على الفرد والمجتمع.
 
5. أن صلاح القلب يبدأ من ترك نية الظلم:  
   الحديث يربّي المسلم على أن صلاح القلب لا يكون مع نية العدوان على المسلمين؛ فإذا وجد في قلبه حقداً يوصل إلى درجة تمني قتل أخيه، علم أن قلبه في خطر، وأن عليه المبادرة بالتوبة والإصلاح.
 
6. أن الشريعة تحاصر الفتنة من بدايتها:  
   النص النبوي لم ينتظر حتى يقع القتل فعلاً، بل ربط الوعيد بمجرد «التقاء المسلَمين بسيفيهما»؛ فالتربية هنا هي على قطع الطريق من أول خطوة نحو الفتنة، وأن لا يسمح المسلم لنفسه أن يدخل هذا الباب أصلاً.
 
7. الموازنة بين قوة الشخصية وكفّ الأذى:  
   المؤمن القوي ليس من يبطش بإخوانه، بل من يضبط غضبه، ويكفّ أذاه، ويغلّب جانب العفو والإصلاح، ويحتكم للشرع لا للهوى والسلاح. هذا الحديث يهدم النموذج الجاهلي الذي يمجّد السيف لمجرد السيف، ويقيم بدله نموذج المؤمن الذي يخاف من أن يكون سبباً في سفك دم مسلم. 


   
اقتباس
وسوم الموضوع
شارك: