الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 12 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

١٠ - عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: «صَلاةُ الرَّجلِ في جمَاعَةٍ تَزيدُ عَلَى صَلاتهِ في سُوقِهِ وبيتهِ بضْعًا وعِشرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أنَّ أَحدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إلَاّ الصَّلاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَاّ الصَلاةُ: لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَاّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بها خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ في الصَّلاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِي تَحْبِسُهُ، وَالمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيهِ، مَا لَم يُؤْذِ فيه، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». مُتَّفَقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم.

 

ترجمة الراوي

أبو هريرة الدوسي الزهري، اختلف في اسمه على أقوال أشهرها: عبد الرحمن بن صخر، أسلم عام خيبر ولازم النبي ﷺ ملازمة شديدة، فكثر حديثه عنه حتى صار أكثر الصحابة رواية للحديث. سكن المدينة ثم انتقل إلى البحرين واليًا لعمر رضي الله عنه، ثم عاد إلى المدينة ومات بها سنة ٥٧ أو ٥٩ هـ تقريبًا.
كان من فقهاء الصحابة، أثنى عليه الأئمة توثيقًا: قال ابن عمر: «أبو هريرة أحفظ من يحدِّث عن رسول الله ﷺ»، وقال الشافعي: «أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره».

---

تخريج الحديث وبيان درجته

- مصدر الحديث الرئيس:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، برقم نحو ١٥٠٦ (بحسب ترقيم بعض الطبعات): عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

- بعض ألفاظه في صحيح مسلم:
«صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصَلاتِهِ في سوقه، بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينْهَزُه إلا الصلاة…» إلى آخره.

- أسانيد الحديث في صحيح مسلم (إجمالًا):
من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومن رواته عن الأعمش: جرير بن عبد الحميد، وابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش، وغيرهم.

- حكم الأئمة المتقدمين:
الحديث في صحيح مسلم، وقد اتفق أهل العلم على تلقي ما في الصحيحين بالقبول، وعدُّوه من أصح ما في السنة. فالإسناد متصل برجال ثقات:
- الأعمش: سليمان بن مهران، ثقة ثبت، وصفه بذلك يحيى بن معين وأحمد وغيرهما.
- أبو صالح السمان: ذكوان، ثقة ثبت.
- جرير بن عبد الحميد، وشعبة بن الحجاج، وغيرهما من رجال مسلم: أئمة ثقات.

فالحكم: الحديث صحيح متفق على صحته (لثبوته في مسلم، وثبوته أيضًا بمعناه في البخاري في أحاديث فضل صلاة الجماعة).

---

معاني الكلمات الغريبة

- «بِضْعًا وعشرين درجة»
البضع: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. والمعنى: زادت صلاته في الجماعة على صلاته منفردًا في البيت أو السوق نحو ثلاث وعشرين إلى تسع وعشرين درجة؛ وقد جاء في روايات أخرى: «خمسًا وعشرين» و«سبعًا وعشرين» وهي محمولة على تنوّع أو اختلاف أحوال.

- «سوقه»
أي: موضع بيعه وشرائه، وهو موضع الغفلة والاشتغال بالدنيا، فالصلاة فيه منفردًا دون صلاة الجماعة في المسجد أقل أجرًا.

- «لا يَنْهَزُه»
أي: لا يحركه ولا يدفعه إلى الخروج من بيته والمشي إلى المسجد شيءٌ إلا الصلاة نفسها، أي لا قصد له سوى أداء الصلاة في المسجد.

- «لم يخطُ خطوة»
أي: كل خطوة يخطوها في طريقه إلى المسجد، يُكتب له بها رفعة درجة، وتُحَط عنه بها خطيئة.

- «كان في الصلاة»
أي: في حكم المصلّي من حيث الأجر، ما دام ينتظر الصلاة، لأن انتظاره لها عبادة.

- «ما دَام في مجلسه الذي صلَّى فيه»
أي: في المكان الذي صلى فيه الفريضة في المسجد، جالسًا ينتظر صلاة أخرى أو مشتغلاً بذكر أو دعاء.

- «ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدث فيه»
يؤذِ: لا يؤذي أحدًا، لا بكلام ولا بفعل، كاللغو ورفع الصوت.
يحدث: إما الحدث الأصغر (نقض الوضوء)، أو يُحدِث كلامًا باطلًا ولغوًا؛ والجمهور يحملونه على الحدث الحسي (نقض الوضوء) أولًا.

---

شرح موجز للحديث

الحديث يبيّن أن الصلاة في جماعة في المسجد أفضل من صلاة الرجل منفردًا في بيته أو سوقه بدرجات كثيرة (بضع وعشرين درجة)، وهذا من عظيم فضل صلاة الجماعة. سبب هذه المضاعفة: أن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء وقصد المسجد مخلصًا بنيته للصلاة فقط، فإن كل خطوة يخطوها تُكتب له بها درجة، وتمحى عنه بها خطيئة، حتى يصل إلى المسجد.

ثم إذا دخل المسجد، كان في حكم المصلّي من جهة الثواب ما دام سبب جلوسه في المسجد هو انتظار الصلاة، فكأن الوقت كلَّه صلاة. وفي هذا تشجيع على عمارة المساجد والمكث فيها. ثم يذكر الحديث أن الملائكة تستغفر له وتدعو له بالرحمة والمغفرة والتوبة ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، بشرطين: أن لا يؤذي أحدًا في المسجد، وأن لا يُحدِث (أي يبطل وضوءه أو يأتي بما يقطع هذه الحالة من الذكر والخشوع).

فالحديث يجمع بين فضل صلاة الجماعة، وفضل إحسان الوضوء، وفضل المشي إلى المسجد، وفضل الجلوس في المسجد في انتظار الصلاة، وفضل دعاء الملائكة للمؤمن.

---

سبب ورود الحديث (إن وجد)

لم يرد – فيما بين أيدينا الآن – سبب خاص لنزول هذا الحديث أو لوروده على حالة معينة، وإنما يظهر من سياق كتب الحديث أنه ضمن أحاديث عامّة في باب فضائل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، ذكرها النبي ﷺ ترغيبًا للصحابة ومن بعدهم في صلاة الجماعة وعمارة المساجد.

---

الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث

سأجعل كل فرع في فقرة مستقلة كما طلبت، وأذكر المذاهب عند وجود الخلاف، مع الاقتصار على النقل المعروف من كتب الفقه، دون تعليل عقلي جديد.

١. فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد

دل الحديث على أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الرجل منفردًا في بيته أو سوقه، بزيادة «بضع وعشرين درجة».

- المذهب الحنفي: صلاة الجماعة سنة مؤكدة للرجال الأحرار القادرين، ويكره تركها بلا عذر، واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على شدة تأكدها، لا على فرضيتها العينية.
- المالكية: صلاة الجماعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية، واستدلوا بأحاديث الفضل هذه وغيرها.
- الشافعية: صلاة الجماعة للرجال الأحرار العاقلين القادرين: سنة مؤكدة، ليست بشرط لصحة الصلاة، ويأثم من داوم على تركها عند بعضهم.
- الحنابلة: المشهور عندهم: أنها فرض عين على الرجال الأحرار القادرين، واستدلوا بأحاديث أخرى ظاهرة في الوجوب، كحديث: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم».

إذن: الفرع المستنبط من الحديث نفسه هو عظيم فضل صلاة الجماعة ومضاعفة أجرها، والاختلاف في الحكم التكليفي (وجوبًا أو سُنِّيَّة مؤكدة) مبناه على أدلة أخرى مع ضم هذا الحديث إليها.

٢. استحباب إتيان المسجد بنيّة الصلاة فقط

الحديث نص على وصف الرجل بأنه «أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة»، وفيه أن الإخلاص في القصد سبب لتعاظم الأجر.

- اتفاق المذاهب:
من حيث الأصل، اتفق الفقهاء على استحباب أن يكون قصد المكلَّف في ذهابه للمسجد هو طاعة الله وإقامة الصلاة، وأن إخلاط النية بأمور دنيوية لا يبطل الأجر، لكنه ينقص كماله، واستدلوا بمثل هذا الحديث في أبواب النية والإخلاص (باب الإخلاص في كتب الحديث كرياض الصالحين).

فالفرع: استحباب إفراد النية بالصلاة والتقرّب إلى الله عند الذهاب للمسجد، وترك ما ينافي الإخلاص من الرياء ونحوه.

٣. استحباب إحسان الوضوء قبل الصلاة

في الحديث: «إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد…»، وجعل هذا الإحسان جزءًا من سبب حصول الأجر العظيم.

- اتفاق المذاهب:
جميع المذاهب الأربعة تقرر استحباب إسباغ الوضوء وإحسانه، مع الإتيان بالسنن والآداب (السواك، التسمية، التيامن، الدلك عند من يقول به…) زيادةً على الأركان والواجبات، واستدلوا بأحاديث كثيرة منها هذا الحديث، وحديث «إسباغ الوضوء على المكاره».

فالفرع: استحباب إحسان الوضوء وإسباغه قبل الصلاة، وأنه سبب لرفعة الدرجات ومغفرة السيئات.

٤. فضل المشي إلى المسجد وأن كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة

نص الحديث على أن كل خطوة يخطوها إلى المسجد يُرفع بها درجة، وتُحط عنه بها خطيئة.

- اتفاق المذاهب:
الفقهاء يقرّرون في أبواب «المشي إلى المساجد» و«فضل الخطا إلى المسجد» أن كثرة المشي إلى المسجد قربة عظيمة، وأنه يُشرع للمسلم أن يختار أبعد الطرق إذا لم يشقّ عليه وكان قصده زيادة الأجر، استنادًا إلى هذا الحديث وأشباهه (كحديث: «إن لك ما احتسبتِ من خطاكِ» في قصة بني سلمة).

فالفرع: استحباب الإكثار من الخطا إلى المساجد، وعدم التبرم ببعد المسجد، بل الاحتساب في كل خطوة.

٥. استحباب المكث في المسجد وانتظار الصلاة

في الحديث: «فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه»، أي ما دام منتظرًا للصلاة.

- اتفاق المذاهب:
كل المذاهب تجعل انتظار الصلاة بعد الصلاة من أعمال البر، ومستحبًّا، ومن أعظم أسباب تكفير السيئات ورفع الدرجات، استنادًا إلى هذا الحديث وأحاديث أخرى مثل: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات… وانتظار الصلاة بعد الصلاة».

فالفرع: استحباب الجلوس في المسجد بعد الصلاة في انتظار صلاة أخرى، وأن المنتظر في حكم المصلّي من حيث الأجر.

٦. استحباب الجلوس في موضع الصلاة والدعاء فيه

نص الحديث على أن الملائكة «يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه».

- اتفاق المذاهب:
يذكر الفقهاء في كتاب الصلاة وآداب المساجد استحباب الجلوس بعد الصلاة في مكانها للدعاء والذكر وقراءة القرآن، واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله، وأن هذا الموضع له خصوصية ما دام الشخص فيه على هيئة أهل الصلاة، غير مستدبر القبلة أو مشتغِلٍ بما ينافي الخشوع.

فالفرع: استحباب ملازمة موضع الصلاة بعد الفريضة للذكر والدعاء، ونيل دعاء الملائكة.

٧. حكم أذية الناس في المسجد

قيد الحديث دعاء الملائكة بقوله: «ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدث فيه»، فدلّ على أن الأذى في المسجد يمنع هذا الفضل.

- اتفاق المذاهب:
اتفقت المذاهب على تحريم أذية المسلمين في المساجد، من نحو: رفع الصوت، والسبّ، والخصومات، وإيذاء المصلين بالروائح الكريهة أو الكلام الباطل، واستدلوا بأحاديث كثيرة في النهي عن إنشاد الضالة، ورفع الأصوات، وفي هذا الحديث بيان أن الأذى يحرم صاحبه من دعاء الملائكة له.

فالفرع: تحريم أذيّة المصلين في المسجد، وأنها سبب لحرمان صاحبها من دعاء الملائكة ورحمتهم.

٨. ما يقطع دعاء الملائكة (مسألة «ما لم يُحدِث»)

في آخر الحديث: «ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدث فيه».

- الخلاف في معنى «يُحدِث»:
- جمهور الفقهاء: يحملونه على الحدث الحسي، أي نقض الوضوء، لأن الأصل في لفظ «الحدث» في أبواب الطهارة هذا المعنى، فيفهم منه: أن انتقاض الوضوء يقطع حكم كونه في الصلاة وحكم دعاء الملائكة له.
- بعض العلماء: وسّع المعنى ليشمل «الحدث المعنوي» كاللغو، والكلام الباطل، والذنوب، فمتى اشتغل بذلك انقطع عنه هذا الفضل.

هذا الخلاف مذكور في شروح الحديث كشرح النووي على مسلم، والمآل الفقهي: أن الأفضل أن يحافظ على وضوئه وسلامة مجلسه من اللغو والأذى لينال فضل دعاء الملائكة كاملًا.

---

الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث

- إحياء معنى النية الصادقة:
الحديث يربط مضاعفة الأجر بقصدٍ واحد: «لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة»، فيعلّم المؤمن أن يراجع نيته في كل خطوة: لماذا أذهب؟ ولمن أصلي؟

- حب المساجد وعمارتها:
تكرار ذكر المسجد، وكون المؤمن في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، وأن الملائكة تدعو له، كل ذلك يربي في النفس حب المساجد، والشعور بأنها بيته الروحي الذي يلوذ به، لا مجرد مكان أداء واجب.

- الاستثمار في «الوقت بين الصلوات»:
كثير من الناس يعتبره وقت فراغ، والحديث يعلّم أن هذا الوقت يمكن أن يتحول كله إلى عبادة إن قُطع في الوضوء، والمشي إلى المسجد، وانتظار الصلاة، والجلوس للذكر.

- تعظيم حق المسلمين وترك أذاهم:
اشتراط عدم الأذى لنيل دعاء الملائكة يربّي المؤمن على مراقبة لسانه وأفعاله في المسجد، بل وفي كل موطن عبادة، وأن حسن الخلق جزء من العبادة، لا أمر منفصل عنها.

- التفاؤل بسعة رحمة الله:
كون كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، وأن الملائكة تدعو للمصلي: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه»؛ يغرس في القلب رجاء رحمة الله، ويمنع اليأس، ويُعلّم أن الطريق إلى المغفرة مفتوح بأعمال يسيرة مستمرة.

- التربية على الدوام والاستمرار في الطاعة:
الحديث لا يقتصر على لحظة الصلاة نفسها، بل يربط الأجر بما قبلها (الوضوء، المشي) وما بعدها (الجلوس والانتظار)، فيُربِّي على أن العبد مع ربه في كل أحواله، لا في دقائق الركوع والسجود فقط.



   
اقتباس
شارك: