الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 15 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

متن الحديث
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ».
ترجمة الراوي
هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه. خادم رسول الله ﷺ عشر سنين. دعا له النبي ﷺ بطول العمر وكثرة المال والولد. توفي سنة 93 هـ على الصحيح. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «الإمام، الحافظ، خادم رسول الله ﷺ». واتفق أهل العلم على عدالته، وهو من المكثرين من رواية الحديث، ولا يُسأل عن عدالة الصحابي لأن عدالتهم ثابتة بالإجماع.
تخريج الحديث وذكر إسناده والحكم عليه
أولًا: تخريجه
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التوبة.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة.
ثانيًا: إسناده عند الإمام مسلم
قال مسلم:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ.
ورواه مسلم أيضًا من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه بأسانيد صحيحة.
ثالثًا: التعريف برواة الإسناد
أبو بكر بن أبي شيبة: عبد الله بن محمد العبسي، ثقة حافظ، قال ابن حجر: «ثقة حافظ».
زهير بن حرب: أبو خيثمة النسائي، ثقة حافظ، قال الذهبي: «الإمام الحافظ».
وكيع بن الجراح: ثقة حافظ إمام، قال أحمد: «ما رأيت أحفظ من وكيع».
سليمان بن مهران الأعمش: ثقة ثبت، لكنه مدلس، وقد صرّح بالسماع في طرق أخرى.
أبو صالح السمان: ذكوان، ثقة ثبت.
أنس بن مالك / أبو هريرة: صحابيان جليلان، عدالتهما ثابتة.
الحكم على الحديث
الحديث صحيح متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، ولا يُعرف فيه خلاف بين المتقدمين.
معاني الكلمات الغريبة
راحِلَتِهِ: الدابة التي يركبها في السفر.
أرض فلاة: صحراء واسعة لا ماء فيها ولا أنيس.
انفلتت: ذهبت وخرجت عن السيطرة.
أيس منها: قنط من رجوعها.
بخطامها: ما يُشد به رأس البعير.
أخطأ من شدة الفرح: زلّ لسانه ولم يقصد حقيقة الكلام.
الشرح الموجز للحديث
يبيّن النبي ﷺ عِظَم فرح الله تعالى بتوبة عبده، فشبّه هذا الفرح بما يقع للإنسان إذا فقد وسيلة حياته في صحراء مهلكة ثم وجدها فجأة، فيقع منه من شدة الفرح ما لا يُقصد. والمقصود تشبيه الفرح بالفرح لا تشبيه الله بخلقه، فالله سبحانه يفرح فرحًا يليق بجلاله بلا تمثيل ولا تكييف.
سبب ورود الحديث
ورد الحديث ترغيبًا في التوبة، وبيانًا لسعة رحمة الله، وردًّا على من ييأس من مغفرة الله، كما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث
الفرع الأول: مشروعية التوبة ووجوبها على الفور
أجمع العلماء على أن التوبة من الذنوب واجبة فورًا، ولا يجوز تأخيرها.
قال النووي في شرح مسلم: «أجمعت الأمة على وجوب التوبة من جميع الذنوب».
الفرع الثاني: إثبات صفة الفرح لله تعالى على الوجه اللائق به
أثبت أهل السنة صفة الفرح لله من غير تشبيه ولا تمثيل.
قال ابن عبد البر في التمهيد: «أحاديث الصفات تُمر كما جاءت بلا كيف».
وقال النووي: «هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف إمرارها مع تنزيه الله عن صفات المخلوقين».
الفرع الثالث: عدم مؤاخذة المخطئ بغير قصد
اتفق الفقهاء على أن الخطأ غير المقصود لا يؤاخذ به.
قال ابن قدامة في المغني: «والخطأ معفو عنه لقوله ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ».
الفرع الرابع: تحريم القنوط من رحمة الله
أجمع العلماء على أن القنوط من رحمة الله حرام.
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «القنوط من الكبائر بإجماع العلماء».
الفرع الخامس: فضل المبادرة بالتوبة
اتفق أهل العلم على استحباب المبادرة بالتوبة وعدم التسويف.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: «التوبة واجبة على الفور، وتأخيرها ذنب آخر».
الفرع السادس: جواز ضرب الأمثال في التعليم
أجمع العلماء على جواز ضرب الأمثال لتقريب المعاني.
قال ابن حجر في فتح الباري: «وفي الحديث جواز ضرب المثل في التعليم».
الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث
سعة رحمة الله تعالى وعظيم لطفه بعباده.
فتح باب الأمل أمام المذنب مهما عظم ذنبه.
خطورة اليأس من رحمة الله.
أن الفرح قد يُذهب التمييز مؤقتًا دون قصد.
أهمية الرجوع إلى الله عند كل تقصير.
أن الله يحب التائبين ويفرح بعودتهم إليه.

 

---



   
اقتباس
شارك: