الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 16 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

متن الحديث

عن أبي موسى عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ:

«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»

رواه مسلم.

ترجمة الراوي

أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري اليماني رضي الله عنه، صحابي جليل من كبار فقهاء الصحابة وقرّائهم. ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارة البصرة ثم الكوفة. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «الإمام، القارئ، الفقيه». وقال ابن حجر في الإصابة: «من خيار الصحابة». عدالته ثابتة بالإجماع.

تخريج الحديث وذكر الإسناد مع الحكم على رجاله

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت.

إسناد مسلم:

قال مسلم:

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

الحكم على رجال الإسناد (نقلًا عن المتقدمين)

**أبو بكر بن أبي شيبة:

قال يحيى بن معين: «ثقة».

قال ابن حجر في التقريب: «ثقة حافظ».

**محمد بن عبد الله بن نمير:

قال النسائي: «ثقة مأمون».

قال ابن حجر: «ثقة حافظ».

**أبو معاوية محمد بن خازم الضرير:

قال أحمد بن حنبل: «ثقة».

قال ابن حجر: «ثقة ثبت في الأعمش».

**سليمان بن مهران الأعمش:

قال ابن معين: «ثقة».

قال ابن حجر: «ثقة حافظ، مدلس»، وقد جاء الحديث من طرق أخرى صحيحة.

**شقيق بن سلمة أبو وائل:

قال العجلي: «ثقة».

قال ابن حجر: «ثقة مخضرم».

**أبو موسى الأشعري:

صحابي، والصحابة كلهم عدول بإجماع أهل السنة.

حكم الحديث:

حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، وأجمع أهل العلم على قبوله.

معاني الكلمات الغريبة

يبسط يده: كناية عن سعة الرحمة وقبول التوبة، على ما يليق بالله.

مسيء النهار: من أذنب في النهار.

مسيء الليل: من أذنب في الليل.

حتى تطلع الشمس من مغربها: أي إلى وقوع العلامة الكبرى التي يُغلق بعدها باب التوبة.

الشرح الطويل المفصل للحديث

هذا الحديث أصلٌ عظيم في باب الرجاء والتوبة، وفيه بيان أن الله تعالى فتح لعباده باب التوبة فتحًا دائمًا مستمرًا، لا ينقطع بتعاقب الليل والنهار، ولا يُغلق بتكرر الذنوب. فذكر النبي ﷺ الليل والنهار ليدل على الشمول والدوام، لا على التقييد، أي أن التوبة مقبولة في كل وقت.

وقوله ﷺ «يبسط يده» من أحاديث الصفات، ومذهب السلف فيها إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين. وقد فسر العلماء هذا اللفظ هنا بما دل عليه السياق من الرحمة وقبول التوبة.

وفي الحديث ردٌّ على القانطين من رحمة الله، وتحذيرٌ من التسويف، إذ بيّن النبي ﷺ أن باب التوبة مفتوح إلى زمنٍ معلوم، فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطع القبول، وصار الإيمان حينئذ إيمان اضطرار لا اختيار.

سبب ورود الحديث

ورد الحديث ترغيبًا في التوبة، وبيانًا لسعة رحمة الله، وتحذيرًا من تأخير الرجوع إليه، كما قرره النووي في شرح صحيح مسلم، وابن رجب في جامع العلوم والحكم.

الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث (مع الشرح)

*الفرع الأول: وجوب التوبة من جميع الذنوب

قال النووي في شرح مسلم: «أجمعت الأمة على وجوب التوبة من الذنوب».

**الشرح:

التوبة فرض على الفور، لا يجوز تأخيرها، لأن الذنب إذا لم يُمحَ بالتوبة بقي أثره في القلب والعمل. ويدخل في الوجوب ترك الإصرار، فالعبد مأمور بالرجوع إلى الله كلما زلّ، ولا يسعه التسويف بحجة سعة الرحمة.

*الفرع الثاني: قبول التوبة في كل وقت قبل طلوع الشمس من مغربها

قال ابن حجر في فتح الباري: «في الحديث أن التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها».

**الشرح:

دل الحديث على أن التوبة مقبولة ما دام العبد في زمن الاختيار، فإذا ظهرت هذه العلامة الكبرى انقطع العمل، لأن الإيمان حينئذ يكون عن مشاهدة لا عن غيب، فلا ينفع صاحبه.

*الفرع الثالث: إثبات الصفات الخبرية الواردة في السنة

قال ابن عبد البر في التمهيد: «أهل السنة يمرون أحاديث الصفات كما جاءت بلا كيف».

**الشرح:

صفة اليد ثابتة بالنص، وتُفهم على ما يليق بالله، من غير تشبيه ولا تمثيل. والحديث دليل على منهج السلف في الجمع بين الإثبات والتنزيه، دون تحريف ولا تعطيل.

*الفرع الرابع: تحريم القنوط من رحمة الله

قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «القنوط من رحمة الله من الكبائر بإجماع».

**الشرح:

الحديث يهدم أصل القنوط، لأن من فتح الله له باب التوبة ليلًا ونهارًا لا يجوز له أن ييأس. واليأس يؤدي إلى التمادي في المعصية وترك الرجوع، فكان من أعظم الذنوب.

*الفرع الخامس: استحباب المبادرة بالتوبة وعدم التسويف

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «التسويف بالتوبة من أعظم الغرور».

**الشرح:

مع أن التوبة مقبولة دائمًا، إلا أن الإنسان لا يملك ضمان الزمن، فالموت قد يفجؤه، أو تقوم الساعة، فكان من الحكمة الشرعية المبادرة وعدم الركون إلى طول الأمل.

*الفرع السادس: أن تكرار الذنب لا يمنع قبول التوبة

قال ابن تيمية في الفتاوى: «التوبة تمحو الذنب وإن تكرر».

**الشرح:

ذكر الليل والنهار يدل على التكرار، فكلما أذنب العبد ثم تاب بصدق قُبلت توبته، ما لم يكن متلاعبًا أو مصرًّا، فالعبرة بصدق الإنابة لا بعدد الزلات.

الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث

سعة رحمة الله وعظيم حلمه على عباده.

دوام فتح باب التوبة بلا انقطاع.

التحذير من التسويف وطول الأمل.

تقوية الرجاء مع الخوف.

أن الذنب لا يُغلق باب العودة إلى الله.

 

---



   
اقتباس
شارك: