الحديث رقم ٢٧
متن الحديث ::
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أباه.
فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم.
فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه،
يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه،
يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه.
فلما دُفن قالت فاطمة رضي الله عنها :
يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟
رواه البخاري.
ترجمة الراوي ::
هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري رضي الله عنه، خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ بكثرة المال والولد وطول العمر والبركة.
قال ابن عبد البر: من أجلّ الصحابة علمًا وعملاً وحفظًا.
وقال الذهبي: الإمام، الحافظ، شيخ الإسلام، خادم رسول الله ﷺ.
وقال ابن حجر: صحابي جليل، أحد المكثرين من الرواية.
واتفق أهل العلم على عدالته وضبطه، وهو من أعمدة السنة النبوية.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز).
إسناد البخاري:
محمد بن المثنى → يحيى بن سعيد القطان → شعبة بن الحجاج → ثابت البناني → أنس بن مالك رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد :
محمد بن المثنى *
قال ابن معين: ثقة مأمون.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
يحيى بن سعيد القطان *
قال أحمد: ما رأيت أحدًا أحفظ من يحيى.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ إمام.
شعبة بن الحجاج *
قال ابن المديني: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن.
ثابت البناني *
قال شعبة: كان من أفضل أهل البصرة.
وقال ابن حجر: ثقة عابد.
أنس بن مالك **
قال الذهبي: من كبار الصحابة وأجلّهم.
وقال ابن عبد البر: عدل ثقة بإجماع.
حكم الحديث النهائي :
حديث صحيح.
شرح المفردات الغريبة ::
ثقل: اشتد عليه المرض.
يتغشاه الكرب: تحيط به شدة الألم وسكرات الموت.
ننعاه: نخبر بوفاته.
حثوا التراب: ألقوا التراب في القبر.
الشرح المفصل للحديث ::
قال ابن حجر: هذا الحديث يجمع بين شدة الفقد وكمال الرضا.
يبين الحديث حال النبي ﷺ في مرض موته، وأنه بشر يمر بما يمر به البشر من الألم، لكنه أكملهم صبرًا ورضًا.
قول فاطمة رضي الله عنها: «واكرب أباه» نابع من شدة محبتها وصدق عاطفتها، وليس فيه اعتراض.
فطمأنها النبي ﷺ بقوله: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، أي أن ما بعد الموت راحة ونعيم، وأن هذا الكرب منتهٍ بزوال الدنيا.
ثم جاءت كلمات فاطمة بعد الوفاة معبرة عن يقينها بوعد الله، واعتقادها الجازم بأن أباها في أعلى المنازل.
وأما قولها لأنس بعد الدفن فهو تعبير عن عظم المصيبة، لا إنكار ولا اعتراض، وإنما دهشة القلب أمام فراق أعظم محبوب.
سبب ورود الحديث ::
قال ابن رجب: ورد لبيان حال النبي ﷺ عند الاحتضار.سيق الحديث ليعلّم الأمة حقيقة الموت، وأنه نهاية كل حي، وليبين فضل النبي ﷺ وصبره، وليضرب للأمة أعظم مثال في الرضا بقضاء الله.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: إثبات سكرات الموت للأنبياء
قال القرطبي: سكرات الموت سنة جارية على جميع الخلق.
الشرح:
يدل الحديث على أن الأنبياء لا يُعفون من سكرات الموت، لحكمة عظيمة، منها تكثير أجورهم، وتعليم الأمة أن الألم لا ينافي الكرامة عند الله، بل قد يكون رفعة في الدرجات.
الفرع الثاني: كمال منزلة النبي ﷺ بعد الموت
قال ابن القيم: انتقال النبي ﷺ انتقال تشريف وتكريم.
الشرح:
قوله ﷺ: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» دليل على أن موته انتقال من دار التعب إلى دار النعيم، وفيه رد على من يظن أن الموت فناء أو خسارة للمؤمن.
الفرع الثالث: جواز إظهار الحزن مع الصبر
قال النووي: البكاء بلا نياحة جائز.
الشرح:
حزن فاطمة رضي الله عنها مشروع، وفيه دليل على أن الإسلام لا يلغي المشاعر، بل يهذبها، فيجعل الحزن منضبطًا بلا سخط ولا اعتراض.
الفرع الرابع: عظم مصيبة فقد النبي ﷺ
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أصابت الأمة مصيبة أعظم منها.
الشرح:
سؤال فاطمة لأنس يعكس هول الفاجعة، ويقرر أن فقد النبي ﷺ أعظم مصيبة حلت بالأمة، ومع ذلك وجب الصبر والاحتساب.
الفرع الخامس: مشروعية الدفن وتعجيله
قال ابن تيمية: الدفن من تمام حق الميت.
الشرح:
في ذكر الدفن إشارة إلى أن تعجيله من السنة، وأنه نهاية التعلق الجسدي وبداية مرحلة البرزخ.
الفرع السادس: فضل فاطمة رضي الله عنها
قال الذهبي: كانت من أصدق الناس إيمانًا.
الشرح:
كلماتها تدل على قوة يقينها، ومعرفتها بمقام أبيها عند الله، واجتماع الحزن مع الإيمان الصادق.
الدروس المستفادة من الحديث ::
• سكرات الموت لا تنافي الولاية ولا الكرامة.
• الموت راحة للمؤمن وانتقال إلى النعيم.
• الحزن المشروع لا يناقض الصبر.
• أعظم مصيبة للأمة هي فقد النبي ﷺ.
• التسليم لقضاء الله عند أعظم البلاء.
• اجتماع كمال الإيمان مع شدة العاطفة.
الحديث رقم ٢٨ :
متن الحديث ::
وعن أبي زيد أُسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وحِبِّه وابنِ حِبِّه رضي الله عنهما قال:
أرسلت بنتُ النبي ﷺ: إنَّ ابني قد احتُضر فاشهدنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول:
«إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمّى، فلتصبر ولتحتسب».
فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه.
فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟
فقال: «هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده»، وفي رواية: «في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».
متفق عليه.
ترجمة الراوي ::
هو أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنهما، مولى رسول الله ﷺ، وأحب الناس إليه بعد فاطمة والحسن والحسين، وكان النبي ﷺ يحبه حبًا شديدًا.
قال ابن عبد البر: من خيار الصحابة، وكان من أهل الفضل والعقل.
وقال الذهبي: الأمير، الحبيب، ابن الحبيب، له مكانة عظيمة عند النبي ﷺ.
وقال ابن حجر: صحابي جليل، ولاه النبي ﷺ إمرة الجيش وهو شاب.
واتفق أهل العلم على عدالته وفضله.
تخريج الحديث وذكر الإسناد ::
أخرجه البخاري (كتاب الجنائز)، ومسلم (كتاب الفضائل).
إسناد البخاري :
عبد الله بن يوسف → مالك بن أنس → الزهري → سعيد بن المسيب → أسامة بن زيد رضي الله عنه.
الحكم على رجال الإسناد:
عبد الله بن يوسف التنيسي *
قال النسائي: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
مالك بن أنس **
قال الشافعي: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم.
قال ابن حجر: إمام دار الهجرة، ثقة حجة.
محمد بن شهاب الزهري *
قال أحمد: من أحفظ الناس.
قال ابن حجر: حافظ فقيه.
سعيد بن المسيب *
قال علي بن المديني: أعلم التابعين.
قال ابن حجر: ثقة فقيه إمام.
أسامة بن زيد **
قال الذهبي: صحابي جليل عدل.
قال ابن عبد البر: من أهل الفضل والسابقة.
حكم الحديث النهائي :
حديث صحيح متفق عليه.
شرح المفردات الغريبة ::
احتُضر: بلغ سكرات الموت.
نفسه تقعقع: تضطرب من شدة النزع.
فاضت عيناه: سال الدمع.
الرحماء: المتصفون بالشفقة واللين.
الشرح المفصل للحديث ::
قال ابن حجر: جمع هذا الحديث أصول الصبر والرضا والرحمة.بين الحديث كمال أدب النبي ﷺ في المصائب، حيث بدأ بتثبيت قلب ابنته بالكلام الجامع لأصول الإيمان: الملك لله، والعطاء منه، والأجل مقدر.
ثم لما حضر ورأى حال الصبي لم يمنعه كمال الإيمان من البكاء، لأن الدمع رحمة لا اعتراض فيها.
وفيه بيان أن الرحمة خُلق فطري أودعه الله في القلوب، وأن قسوة القلب ليست من كمال الدين، بل من نقصه.
كما يقرر الحديث أن الجزع المحرم هو ما كان باللسان أو الاعتراض، لا مجرد الحزن والبكاء.
سبب ورود الحديث ::
قال ابن رجب: ورد تعليمًا لأصول التعزية.
ساق النبي ﷺ هذا القول ليؤصل قاعدة عظيمة في التعامل مع المصائب، وليعلم الأمة أن الصبر لا ينافي الرحمة، وأن كمال العبودية يجمع بين الرضا ورقة القلب.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
الفرع الأول: أن كل شيء ملك لله
قال الحسن البصري: من عرف أن الله مالكه هان عليه الفقد.
الشرح:
قوله ﷺ «إن لله ما أخذ وله ما أعطى» أصل في الرضا بالقضاء، فمن علم أن ما فقده ليس ملكه الحقيقي سهل عليه التسليم، وزال عنه الاعتراض.
الفرع الثاني: إثبات تقدير الآجال
قال ابن تيمية: الأجل لا يتقدم ولا يتأخر.
الشرح:
قوله «وكل شيء عنده بأجل مسمى» يقرر عقيدة القضاء والقدر، وأن الموت لا يكون فجأة بلا تقدير، بل بعلم الله وحكمته.
الفرع الثالث: استحباب الصبر والاحتساب
قال سفيان الثوري: الصبر مفتاح الفرج.
الشرح:
جمع النبي ﷺ بين الصبر والاحتساب لأن الصبر حبس النفس، والاحتساب طلب الأجر، ولا يتم كمال العبد إلا بهما معًا.
الفرع الرابع: جواز البكاء عند المصيبة
قال النووي: البكاء رحمة لا نياحة.
الشرح:
بكاء النبي ﷺ دليل واضح على أن الدمع ليس اعتراضًا، وإنما الممنوع هو رفع الصوت أو التسخط.
الفرع الخامس: الرحمة من صفات أهل الإيمان
قال ابن القيم: الرحمة أصل في الشريعة.
الشرح:
بيّن النبي ﷺ أن الرحمة علامة على خير القلب، وأن من خلا قلبه منها حُرم رحمة الله.
الفرع السادس: فضل التعزية بالكلام الجامع
قال ابن باز: خير التعزية ما جمع التوحيد والصبر.
الشرح:
كلمات النبي ﷺ قليلة المبنى عظيمة المعنى، جمعت العقيدة والتهدئة والتوجيه.
الفرع السابع: مشروعية حضور المريض والمحتضر
قال ابن عبد البر: في زيارته تسلية وتخفيف.
الشرح:
قيام النبي ﷺ وأصحابه دليل على استحباب شهود المحتضر، لما فيه من التخفيف والدعاء.
الدروس الإيمانية المستفادة من الحديث ::
• التسليم لملك الله المطلق.
• الإيمان بالقضاء والقدر.
• الجمع بين الصبر ورحمة القلب.
• مشروعية البكاء بلا نياحة.
• أن الرحمة خلق إيماني عظيم.
• فضل التعزية بالكلام الشرعي الجامع.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---